مـنـتـديـات الـتـعـلـيـم الـشامل

الرئيسيةاليوميةمكتبة الصوربحـثمركز الرفعلوحة مفاتيح عربيةالتسجيلدخول

 | .
 

 محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
khaled


مؤسس و مدير المنتدى
مؤسس و مدير المنتدى


الجنس الجنس: ذكر
المستوى الدراسي المستوى الدراسي: طالب جامعي
هوايتي: المطالعة والرياضة
مسآهمآتے مسآهمآتے: 7294
التقييم التقييم: 244
الأوســـمــــة

مُساهمةموضوع: محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران    الخميس 30 أغسطس 2012 - 2:25

محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران


الجمهوريّة الجزائريّة الديمقراطيّة الشعبيّة
وزارة التعليم العالي والبحث العلميّ
***
المدرسة العليا للأساتذة
في الآداب والعلوم الإنسانية
بوزرّيعة ـ الجزائر








تكوين أساتذة التَعليم المتوسِّط
السّنة الثّالِثة
شعبة اللّغة العربيّة وآدابها


2007 السّنة الجامعيّة 2008

توطئة وتوجيه

يغطّي هذا المؤلَّفُ جملةً من مفاهيم أساسيّة متداولَة في اللّسانيات التعليميّة، أحببنا جعلَها في خدمة تعليم اللّغات، وسعينا بها إلى تنوير عقول القائمين عليه؛ وإذْ راعينا الفئة القارئة والمؤطَّرة التي نتوجّه به إليها وهي أساتذة التعليم المتوسِّط على وجه الخصوص، ربطنا مجملَها بواقع التعليم في الجزائر وآفاقه؛ وقد فصّلنا تلك المفاهيم ـ حسب حاجة تلك الفئة ـ في محاضراتٍ حرصنا فيها على توفير نصيبٍ من البيداغوجيّة والمنهجيّة القائمتيْن على مواصفات هي بمثابة شبكة من العلاقات المطّردة التي يحسن على طلبتنا الاطّلاعُ عليها مسبقًا لتيسير التعامل مع هذه المحاضرات وتفكيك تلك المفاهيم، وهي الآتية:
1. ذكر الإرسال ورقم المحاضرة في أعلى الصفحة: ورغم بساطة هذه الدعوة فهي ليست أمرًا دون اعتبار إذ يسخّر لاحقًا أداءًا للتنسيق وتحريًا للإيجاز في مواقف التشخيص الإحالي.
2. وضع اسم لكلّ محاضرة حسب الموضوع المعالَج فيها مرفوقًا بعنوان فرعيّ يحدّده ويقيّده ومصحوبًا بملَخَّص عن الخطّة المتّبَعة فيها للإعلان عمّا تنفرد به المحاضرة داخل الاختصاص الذي يحتضنها لأنّه يمكن للموضوع نفسه أن يُعدّ من مقرّرات مادّة تعليميّة أخرى مثل ما هو الحال بالنسبة للمحاضرة الثانية (نظريات التعلّم) التي ـ كما يبدو ـ مقرَّرة في مادّة (علم النفس التربويّ)، فمقتضيات تعليمها في رحاب اللّسانيات التّعليميّة يختلف عن واقع أدائها في هذه الأخرة (علم النفس التربويّ).
3. تقديم الخطّة التي تقوم عليها تلك المحاضرة تقديمًا إعلاميًّا وإجماليًّا وذلك بعَنْوَنَة الفصول والمباحث والعناصر الرئيسيّة والفرعيّة والتحتيّة سعيًا إلى إخبار الطلبة بمحتويات المحاضرة ودفعه إلى إعمال قراءة للعناوين وتدعيمًا له لعمليّة البحث عن المعرفة : توخَّينا فيها التصميم حسب اختصاصنا وما أسفرت عنه مطالعاتنا وما وجدناه مناسبًا لمستوى الطلبة وما حسبناه يستجيب له كلُّ مبحث مبرمَج.
4. اعتمدنا توزيع المعلومات وترتيب المعطيات وتحليل الأفكار ووصف أهمّ جوانبها على منطق تقسيم المحاضرة إلى فصل فمبحث فعنصر ثمّ باقي العناصر الفرعيّة والتّحتيّة ..الخ، وهو نظامٌ تفريعيٌّ يخضع لطبيعة كلّ موضوعٍ، ويجد القارئ على العموم وفي معظم محاضراتنا تقسيم الدرس على ثلاثة فصولٍ يخصّص فصلان ـ وفق ما تُمليه الخطّة المتّبعة ـ لتطوّر مسيرة الدرس عبر شقّين متلازميْن ومتكاملين، ثم الإنهاء بفصلٍ يوضَع عادةٍ لجملة من التطبيقات.
5. ترتيب تلك الفصول والمباحث والعناصر المتفاوتة حسب ما يقتضيه منطق الموضوع المعالَج والإشكاليات المطروحة والأفكار الموزّعة في ثنياها والعلاقات الرابطة بين كلّ مبحث وآخر، وكذلك وفق ما تقتضيه هذه الأخيرة من التفريعات والاشتقاقات إلى العناصر المشدودة ببعضها البعض.
6. اعتماد نظام الترقيم التفريعي في ذلك الترتيب جعلنا فيه الأرقامَ تتعدّد من الأحادي (1) فالمزدوج (2.1) والثلاثي (1.2.1) فالرباعي (3.1.2.1) كلّما ازداد التقسيم والاشتقاقُ تقدُّماً، ونخصّص تلك الأرقام علامات نميّز بها كلَّ فصل ومبحث وعنصر داخل المحاضرة المتميّزة بعنوانها، وهذا في سبيل تيسير القراءة والحصول على المعلومة المطلوبة.
7. جاءت المحاضراتُ على شكل أبحاث (المحاضرة بحثٌ أكاديميٌّ أوّلاً يُحوَّل إلى درس تعليميٌّ ثانيةً)، أولينا فيها اهتمامًا خاصًّا لتوثيق المراجع والتعليقات، وحرصنا على حُسن تنفيذه بإدراج إحالات داخليّة وخارجيّة وبإيراد الهوامش في آخر كلّ محاضرة والإحالة إلى المراجع المسخَّرة فيها موَثَّقةً أكملَ توثيق من أجل إفادة الطّلبة إفادة أشمل وأدقّ وتسهيلاً عليهم لأمر البحث الذي يُثار شوقُهم إليه بإتقان التفصيل في مقامه الحَسَن والإشارة والربط في محلّهما والتعليق الممتدّ إلى الحقيقة المسطَّرة في المتون، وكذلك رغبة في دفهم إلى التحرّي والتحقّق من المعلومة صحّةً وحقيقةً وأصلاً وفصلاً وتطوّرًا، وأيضًا نزولاً عند رغبتهم إذا راموا التوسُّع في الأفكار والحقائق والحجج التي استدعت تلك الإحالة وأملت ذلك التعليق المردَف.
8. التنسيق بين المحاضرات تنسيقًا يأخذ بالحسبان توزيع المعلومات حسب مقتضيات هذه الأخيرة وبالاحتكام إلى التدرّج، وذلك من أجل الربط بين الأفكار وضمان انسجامها وتيسير فهمها، ونظّمنا ذلك التنسيق بطريقة تعتمد ذكر اسم المحاضرة ورقمها ضمن الإرسال ورقم المبحث أو العنصر الذي يحال إليه من محاضرة إلى أخرى، هذا مع ما قد يلاحَظ علينا من الإفراط في الإحالات الداخليّة والخاجيّة معًا، وهو ما من شأنه أن يتسبّب في ملّلٍ لدى القارئ.
9. الاستعانة بأمثلة تساعد على توضيح المفاهيم وتقريبها، لكن ذلك كان في حدود الإمكان ومسوِّغات المنطِق، لأنّ الهدف البعيد من ” دروس في اللّسانيات التعليميّة “ هو التأطير النظريّ لكيفيات التطبيق، وكما سنرى أسفله (3.2.2 تطبيقات اللّسانيات التعليمية) قسم كبير من هذه اللّسانيات تقوم على تطبيقات لا يزال الباحثون يقومون بها كلَّ يومٍ، وكلٌّ من منطلق انشغالاته؛ فالشّعور الذي كان ينتابنا أثناء خضوعنا لتحليل الأمثلة هو التفكير في كيفيّة وضع حدٍّ لذلك التحليل الذي يستمرّ أبدًا في التقدّم، فحسّنا المنهجيّ يقول: هنا موضع الاختصار نظرًا لطبيعة النقطة المعالجة، إنّما يستوجب علينا الاستسلام للتحليل لو كنّا في مقامات أخرى غير هذا المقام (عرض المفاهيم)، ثمّ إنّ التطويل قد يكون على حساب مجرّد تقديم هذا الاختصاص في خطوطه العريضة والدقيقة فحسب.
10. إدراج تطبيقات هي في واقع الأمر بمثابة ملحقات، إذ تتضمّن آراء يغلب عليها الطابع الشّخصي، الغرض منها وضع معالم وأضواء في طريق التطبيق وسعيًا منّا إلى ربط مجمل المعطيات المناقَشَة خلال فقرات المحاضرة بواقع التعليم في الجزائر. كما رمينا بها إضفاء على المفاهيم المعروض في ثنايا محاضراتنا أبعادًا تعليميّة، وإلاّ شان عملَنا الطابع التوثيقي الوثائقيّ الخالي من الروح العلميّة التي تحتكِم إلى التحليل والنقد وتيسير المفاهيم بربطها بعضها ببعضٍ وعدم حجزها في مباحث مستقلّة بعضها عن بعضٍ.
فيجدر الإقرارُ بأنّها كانت في أوّل مظهر النص ضمن متونه فأخّرناها قصدًا لطابعها التطبيقي المحض أيضًا إذ هي أجوبة عن أسئلة فرعيّة كانت تُطرَح ، ثم لكي لا تزاحم الأفكار التي يحتاج إليها الطلبة، كلّ حسب مستواه، والتي هي من نوع الأفكار العامة أو المعطيات التي عادةً ما يُطالبُنا بها الطّلبة، وتحفّظًا من تشويش انتباههم المركّز عادة على تلك الأفكار، وضمانًا لمسار المحاضرة بمراحلها المختلفة، وتحقيقًا للتدريج لبلوغ أفهام الطّلبة؛ لكن حَرَصَنا في معظم الأحيان على الإحالة إلى موضعها الأصلي في المباحث التي تتعلّق بها، ذلك لاستكمال الفهم وتحصيل الفائدة.
11. ترانا نقتبس مِن حينٍ لآخرَ نصوصًا مطوَّلة نوعًا ما من باب التدعيم ووضع يد الطالب على مصدر المعلومة؛ ونظرًا لطولها ذاك عمدنا إلى تمييزها بتصغير حجم الحرف الذي حُرِّرت به وتحريك فقراته بضعةَ سنتمتراتٍ نحو اليسار، كأنّها منفصِلة عن تلك السياقات التي ترِد فيها؛ وهذا لتمكين الطلبة من معاملتها معاملة الملاحق المرفِقة للمحاضرات، ومنحهم فرصة الاطِّلاع على مقتطفاتٍ من الكتابات التي تُنشَر حول الموضوع المعالَج، وإتاحة لهم إمكانيّة التعرّف على الباحثين اللّسانيّين، وإفرادها بأسئلة تكون متصلة سواء بالنّقط التي استدعت تواجدها في تلك السياقات أم بمسائل أخرى تُسوحى من الطروحات المختلفة: فالطابع التطبيقي لمحاضراتنا لا ينبغي التهاون في شأنه، لا سيّما إذا عرفنا أنّ مادّة اللّسانيات التعليميّة لم تُخصّص لها حصص تطبيقيّة في المدرسة العليا للأساتذة ـ بوزريعة.
12. تزويد الطّلبة ببعض عناوين (مراجع) مختصّة إن لم نقل شديدة الاختصاص لم نبخل بها عليهم، تُذكَر في خاتمة بعض المحاضرات وفي متنها، وهو ما عمدنا إليه منذ المدخَل، الغاية منها ـ علاوةً على رجوعنا إليها ـ هي إشعار الطلبة بحساسيّة الموضوع المعالَج وكذا دعوته إلى المطالعة من أجل التوسّع في الموضوع نفسه أو تجاوزه إلى ما له علاقة به وإشراكه في عمليّة البحث فيه (المحاضرة بحثٌ كما رأينا أعلاه)، والتماسًا للاستزادة من العلم المَعْني وطلبًا للمزيد من التكوين والتثقيف.
13. طرحنا جملة من أفكارٍ كنّا نستعين فيها بمنهج التحليل، ونلجأ إلى وضع مقدِّمات لكلّ محاضرة ـ وكلّما أحوجنا الأمرُ إليه ولمراعاتنا البعد البيداغوجي الذي تلتزم به محاضراتنا ـ إذ هي بمثابة توضيحات مفتاحيّة وتوجيهات موطِّئة ووقفات اندماجيّة، وكثيرًا ما كنّا نمضي إلى صلب الأفكار المتعلِّقة بالموضوع المعالَج حيث نستغني ـ في هذه الأحوال (أي أثناء التحليل) ـ عن المقدِّمات حيث لا نرى الحاجةَ إليها، ونسجِّل أسئلة بأهمّ أنواعها من التمهيديّة إلى الاستفساريّة. كذلك عمّمنا في بعض القضايا وفصّلنا في أخرى لكن احتطنا أثناء التفصيل تفاديًا للانفصال عن الموضوع المطروق. حيث عمدنا إلى تجزئة المحاضرات إلى محتوياتٍ لم تبتعد كثيرًا عن الأفكار المبرمجة وعن الأهداف المسطَّرة.
14. وأخيرًا لم نغفل التنبيه ـ كلّما تسنّت لنا فرصة التعليق على أيّ مصطلح عمدنا إلى استعماله إلى درجة المبالغة أحيانًا ـ إلى الطابع التداخليّ الذي تتسم به اللّسانيات التعليميّة والذي يُنتظَر بناءًا عليه مصادفة مشكلات مصطلحيّة راجعة إلى تعدّد في المفاهيم وتداخل لها، الأمر الذي تسبّب في إبهام أعقب بدوره نوعًا آخر من اللّبس وهو تداخل الجهاز المصطلحي بين اللّسانيات التعليميّة وغيرها من الفروع العلمية التي تشترك معها في جوانب كثيرة من الموضوع نفسه .
15. يُعزى نزوعُنا إلى وضع محاضراتنا طويلةً نوعًا ما إلى محاولتنا إبلاغ كلّ درسٍ أهدافه المنشودة، والإيفاء باكبر قسطٍ مِن محتوياته، ومجانبة السطحيّة في التناول، وكذلك أفضنا لضرورة تدعيم دروسنا بالتوثيق الذي نمقت التساهل في شأنه؛ وثمّة ثغرات لاحظناها بعد المراجعة حَدَتْ بنا إلى الإكثار من الإحالات الداخليّة والخارجيّة والتوضيحات مِن أجلِ ملئها. ثمّ إنّا كثيرًا ما كنّا نتعامل مع المحاضرات أثناء مدارستها بين أيدي الطّلبة بتجزئتها حسب تعاقب الحصص إلى أجزاء نطلعهم مسبقًا بالورقة التي تضمّ خطّة المحاضرة وعناصرها بحيث نسجّلها خطوطًا عريضة على السبورة ونُعمل عليها قراءة أوّليّة وشامل قبل عرض كلّ مبحث وعنصر بالتفصيل أو الإيجاز، كلٌّ في موضعِه المناسِب؛ أملاً منّا وحثًّا إيّاهم أن يدفعوا بعجلة المحاضرات إلى الأمام بما يكونون قد شاركوا به أستاذَهم من التحضير والتساؤل والتعجيل بهذه النقطة وتأجيل غيرها والوقوف عند أخرى بكلّ إمعانٍ وعدم التزيّد في المواقف التي هي في غنًى عن اللفِّ والدّوران. ثمّ إن المحاضرة بحثٌ إذا افتقر إلى المصادر والمراجع يقع صاحبه في تناقضاتٍ ـ آفة البحث ـ وصعب عليه بذلك إقناع الطلبة (إن رماه ويجب عليه) وأسفر عن نفور بعضهم الذي يُوهمك حضورُهم أنّهم على خطّ ما تعرضه عليهم.
ولا يفوتنا هنا تأكيدُ مدى صحّة الحكم على هذه المحاضرات بالتطويل، لا سيّما المحاضرة الأولى، أمّا هذه الأخيرة فمن الطّبيعي والمعقول أن نستطرِد فيها باعتبارها مدخلاً إذ جعلنا منها نافذة نطلّ منها على معظم الإشكاليات التي طرحناها ههنا، وسنصل حتمًا إلى المحاضرة حيث نُفصِّل في الجواب عنها. ثمّ إنّه حقًّا مدخلاً ومقدِّمة إلى علمٍ يكاد يكون جديدًا في الجزائر، كلّ الدراسات التي اعتمدناها، القديم منها وجدنا بعضه لا يعرف أصحابُه أنّهم يتعرضون في مراجِعهم تلك إلى مسائل تندسّ في اللّسانيات التعليميّة، علاة على ما كانت تناقشه، تدخل في صميم اللّسانيات التعليميّة، ولمّا كانت بعيدة من أن تقتصِر على هذه الأخيرة عزّ علينا تصنيفُها في مصفّ هذا الاختصاص الذي نُدخِل إليه طلبتنا: فالرهان صعبٌ، لكنّه قيِّم فنقول: بل اكتفينا، في مدخلٍ أدرج إلى جانب غيره من الدروس، بعرض جملة قليلة جدّا من المفاهيم ووقفنا عند قضايا التعريف والتصنيف وعرجنا أحيانً كثيرة إلى مشكلات المصطلح، فهذه نقط أوليناها اهتمامًا خاصًا في مدخلنا لأنها أولى في هذا السياق درءًا لكلِّ ما يمكن أن نلاقيه من العقبات في مستقبل المحاضرات الآتية.
كما نعزو هذا التطويل إلى ما عمدنا إليه من عملٍ ترجميٍّ أحوجنا إليه افتقارُ المكتبة العربيّة إلى الكتابات المدوّنة في الموضوعات التي خضنا في عوالمها آناء محاضراتنا، ولسنا هنا في صدد الادّعاء أنّ البحثَ في هذا الميدان هو بِكرٌ بالنسبة للعالم العربيّ وكذا الجزائر؛ فمثل هذا الادّعاء تفنّده بعضُ المراجِع التي استثمرناها بين دفّات هذا الكتاب، ثمّ إنّا لا نزعم بأيّ حالٍ من الأحوال أنّها غارِقة في ظلام التأخّر، ولكن لا نوهِم أنفسَنا من جهةٍ أخرى بأنّها كافّة ومكفوفة، لكن نشاطها لا بدَّ أن يواصَل.
وفي خاتمة هذه التوطئة لا يسَعنا إلاّ أن نأمل على طلبتنا الأعزّاء، إذ نضع بين أيديهم هذا المؤلَّف، أن نكون في مستوى طموحاتهم وعلى خطِّ ما يترقّبونه من أجل تحسين مستواهم العلميّ والتّعليمي تحصيلاً وأداء. وليتيقّنوا أنّ أيّ نقص قد يكتنف هذه الدروس المتواضِعة ـ ولا نستبعد ذلك وبعيدًا عن التذرُّع والتعلُّل ـ لا يرجع إلى التفريط في البحث بقدر ما يعود إلى ضيق وقت الإنجاز وقلّة الوسائل المدعّمة لعملنا، وكذا تشرذم هذا الاختصاص الذي أدّى بنا إلى صرف الوقت في جمع شمله أوّلا؛ ثمّ إنّ الثغرات لا بدّ منها، ندعو طلبتنا إلى عدم التقصير في السعي إلى ملئها بمطالعاتهم المتنوّعة وعلى قدر استطاعتهم وتطلّعاتهم، لكن دون أن نُبعِد من خاطرنا أنّ ” العزائمَ تأتي على قدر أهل العزم “ أو كما قال أبو الطيب المتنبّي.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
khaled


مؤسس و مدير المنتدى
مؤسس و مدير المنتدى


الجنس الجنس: ذكر
المستوى الدراسي المستوى الدراسي: طالب جامعي
هوايتي: المطالعة والرياضة
مسآهمآتے مسآهمآتے: 7294
التقييم التقييم: 244
الأوســـمــــة

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران    الخميس 30 أغسطس 2012 - 2:26

[color= ]
الإرسال الأوّل

يتضمّن هذا الإرسال أربع محاضرات معنوَنة كالآتي:

1. مدخل إلى اللّسانيات التّعليميّة
 المفاهيم وقضايا التّعريف والتّصنيف والمصطلح
2. نظريات التعلّم
 من السلوكيّة إلى التعاونيّة
3. عوامل تعليم اللّغات
 اللّغويّة وغير اللّغويّة
4. النظريّة اللّغويّة والمحتوى اللّغويّ
 تفاعل النظريات

الإرسال الأوّل: المُحاضرة رقم 1

موضوع المُحاضرة: مدخل إلى اللّسانيات التّعليميّة
المفاهيم وقضايا التّعريف والتّصنيف والمصطلح

خُطّة المُحاضرة وعناصِرها:

مقدّمة (طرح إشكاليّة تعريف اللّسانيات التعليميّة وانتمائها وخصوصيّاتها)
1. قضيّة التسمية والتعريف
1.1 تحديد المُقابِلات المصطلحيّة
2.1 دائرة اختصاص اللّسانيات التّعليميّة
3.1 موضوع اللّسانيّات التعليميّة
1.3.1 التعليميات
2.3.1 تعليميّة اللّغات
3.3.1 اللّسانيات التعليميّة
2. تصنيف اللّسانيات التعليميّة
1.2 الصُّعوباتُ الابِستيِمولوجِيَّة والحُلولُ التِّقَنِيَّة
1.1.2 صعوباتُ تصنيف اللّسانيات التعليميّة
2.1.2 مُقتَرحاتٌ لِحلِّ الصُّعوبات
2.2 اللّسانيات التعليميّة واللّسانيات التطبيقيّة
1.2.2 اللّسانيّات والتّعليم
2.2.2 اللّسانيات التطبيقيّة
3.2.2 تطبيقات اللّسانيات التعليمية
1.3.2.2 المجموعة الأولى
2.3.2.2 المجموعة الثانية
3.2 اللّسانيات التعليميّة واللّسانيات النفسيّة
4.2 اللّسانيات التعليميّة واللّسانيات الاجتماعيّة
خاتمة
3. تطبيقات
1.3 الموقِف والسلوك اللّغويّين:
1.1.3 الموقف اللّغويّ
2.1.3 السّلوك اللّغويّ
3.1.3 دراسة السّلوك اللّغويّ
2.3 تعليميّة اللّغات وقضايا السّاعة
1.2.3 تعليم اللّغة العربيّة المشتركة
2.2.3 مثال عن تحليل المعلِّم للغة الفرنسيّة على ضوء اللّسانيات
3.2.3 الصراع اللّغويّ في الجزائر ودور التوعية






مقدّمة

لإقامة صرح أيّ علم ـ وأثناء القيام بمهمّة التّعريف به ـ لا بدّ من تحديد دائرة اختصاصه، ومجال دراسته. ويُعتمد في ذلك موقفٌ ابستيمولوجيٌّ مؤصِّلٌ ومؤهِّلٌ وموجِّه من حيث:
1. تحديد الموضوع،
2. وتحضير المادّة وتنظيمها،
3. وتسليم أمر ذلك الاختصاص لمنهج دقيق وصارم،
4. وكذلك السّعي إلى تحقيق الأهداف المنشودة.
ويرافق هذه العمليّة قراءات نقديّة لمجموع إنجازات ذلك العلم، وهي المتلمّسة لهويّته والّتي قد تأتي في مرحلة بعديّة، قد تُلحق به، كما يُحتمَل أن يشملها (ولم يفتنا هذا الأمر فيما نُقبل عليه أسفلَه). ويحدث ذلك كلُّه سواء بدافع التّنظير وجمع الحقائق الموضوعيّة الّتي كلّما توفّرت تحقّق لذلك الاختصاص الطّابع العلميّ، أم طموحًا إلى تأسيس أرضيّة للتّطبيق المحكم.
واللّسانّيات التعليميّة باعتبارها علمًا وتطبيقًا (إجراء) في أمسّ الحاجة إلى مثل هذا التّرتيب، وهو ما استدعاه هذا الطابِع المزدوج ذاتُه. لهذا ينطلِق بحثُنا في قضايا التسمية والتعريف والتصنيف من مقولة مزدوِجة تقوم على:
• احترام واقِع التعدّديّة الذي منيَت بها اللّسانيات التعليميّة
• حماية مقتضيات الوحدة المكتسَبة في الرؤى

1. [color=red]قضايا التّسمية والتعريف:[/
color]
1.1 تحديد المقابلات المصطلحيّة:
يرجع التأثيل اللّغوي للمصطلح المتداول في الدّرس التعليميّ عند الغرب إلى الاشتقاق الإغريقيّ (Didactikos) الذي جاء من الأصل (Didaskein)، وهو يدلّ على مجرّد « تعلّم » « Enseignement » وتكوين . وإذا انصرفنا إلى معجمٍ يعير الاعتبار لتلخيص مفاهيم العلوم الاجتماعيّة بتداخلها تداخلاً يسيرًا أو كثيرًا، نجده يسند إلى مصطلح (Didactique) مفهومًا يجمع بين الفن والعلم يُعنى بالتعليم، كما أعدّه في معناه الضيّق منهجيّةً في التعليم .

اللسانيات التعليميّة مصطلح وُضِع في اللّغة العربيّة ليقابَل به المصطلح الغربي المشهور بالتركيب الآتي: (La didactique des langues) لهذا نجد البعض يعمد إلى ترجمة العبارة الفرنسيّة ترجمة حرفيّة فيستعمل معها مصطلح (تعليميّة اللّغات) ، ونُلفي آخرين يستعملون المركَّب الثلاثيّ (علم تعليم اللّغات)، وهناك مَن يكتفي بتسمية (تعليم اللّغة) ، ثمّة من يُفرد مستعملاً (تعليميات) أو (تعليمية) بكلِّ اختصار حتّى حين يتعلّق الأمر باللّغات؛ وهناك من يلجأ مرّة أخرى إلى التركيب الثلاثي (علم تعليم العربية) بتخصيص اللّغة كما سلكه ” مخبر علم تعليم العربية “ الذي تأسّس في 2003 بالمدرسة العليا للأساتذة في الآداب والعلوم الإنسانيّة ببوزريعة (الجزائر) والذي لسان حاله هو مجلّة العربيّة. ولمّا كانت اللّسانيات هي المجال الأهمّ الذي يتناول موضوع اللّغة والأدنى إلى المجال المعني بتعليمها وبنظريات هذا الأخير ومناهجه وفنياته وطرائقه أضحى من المناسب جدًّا أن تقرضه اللّسانيات حتّى التسمية. فنحصل بذلك على مصطلحٍ مُركّب تركيبًا نعتيًّا إذ قُيِّد بِنعت (تعليميّة)  لسانيات تعليميّة.
ولا حاجةَ لنا إلى التدقيق باصطناع تسمية ” شامِلة بالقول مثلاً: (لسانيات تعليميّة اللّغات)، فهو مِن الناحية التركيبيّة سليمٌ، لكِن ما يُطاق مِن الإطناب في جمل ومركَّبات اللّغة العادية قد لا يسلَم القياس عليه في مقامات المصطلح من ، ثمّ حسبنا مفردة لسانيات التي ـ كما أفدنا أعلاه ـ متضمِّنة لدلالات ” العلم و” الموضوع .
كما مال البعضُ الآخر إلى إحياء القاعدة القياسيّة بتفضيلهم تسميّة (التعليميات)، وهو مصطلحٌ مَبنيٌّ قيّاسًا على اللّسانيّات والريّاضيّات والصّوتيّات. هذا وفق القاعِدة القيّاسيّة الّتي شدّ ما ألحّ عليها عبد الرّحمان الحاج صالح والّتي سنُدرِك أهميّتَها أكثر بِإيراد المُقتبَس الآتي رغم طوله:
« تفضل الكلمة المولّدة الّتي اعتمد في وضعها على سنن كلام العرب في اشتقاقاتهم وطرق توليدهم وتترك الطُّرق الّتي لم يعرفها العرب كزيادة اللّواحق غير المعروفة في لغة العرب واستعمال وزن أو بناء لم تستعمله إطلاقًا أو استعملته في الأصل لمعنى بعيد كلّ البعد عن المقصود. وذلك مثل ” صوتم“ و” أسلوبية “ و”معلوماتية “ وغيرها. ولهذا يتجنب الاقتباس للأبنية الأجنبية أو الّتي لها مؤدى بعيدا عمّا هو مقصود (لم يستعمل المصدر الصّناعي ـ المختوم ﺒ ”يّة“ ـ أصلاً للدّلالة على الصّناعة أو العلم بل على الصّفة وكون الشّيء على هيئة وكيفية مدلولاً عليها باسم جنس هو هذا المصدر أما العلوم فإن العلماء تعودوا أن يضيفوا لفظة ”علم “ إلى الموضوع الخاص واختصروا ذلك بأن استعملوا ياء النسب وصيغة الجمع المؤنث السّالم مثل علم الطبيعة = الطبيعيات / علم الرياضة = الرياضيات / أو على صيغة جمع التكسير: المناظر (= البصريات)» .
وعلى عاتقنا واجب الإشارة في هذا السياق إلى ما ورد مِن استعمالٍ لهذا المصطلَح عند كتابات صالح بلعيد ـ الباحِث اللّغويّ الجزائريّ ـ ومنشوراته المتعلِّقة بالعربيّة وشؤونها المتشعِّبة والمرتكِزة على قضايا النحو العربيّ وضرورة تيسيره تيسيرًا مجامِلاً للّغة ومستفِزًّا في نفس الأوان يقدح اكتضاضَه بالقواعِد، وبما ينضمّ إلى موضوعات فقه اللّغة وأسرار العربيّة، وما يُدرَج في التّعريب ومسائله الحسّاسة، وما هو مِن مشمولات تعليميّة العربيّة: إذن هاهنا مصطلح (التعليميات)، واهتمّ كثيرًا بقضيّة التحسيس حيث وجدت أعمالُه صدًى في الدوريات والمنتديات ودور النشر والمجالس اللّغويّة والمؤسّسات القائمة على التعريب ووزارتيْ التربية الوطنيّة والتعليم العالي والبحث العلميّ، سيّما بمقالاته التي يداوم على نشرها في مجلّة التعريب: المركز العربيّ للتعريب والترجمة والتأليف والنشر (دمشق)، وفي دوريّة اللّغة العربيّة: المجلِس الأعلى للّغة العربيّة (الجزائر)، وفي مجلّة اللّسانيات: مركز البحوث العلميّة والتقنيّة لترقيّة اللّغة العربيّة (الجزائر)، وفي المجلّة العربيّة للدّراسات اللّغويّة: معهد الخرطوم الدّوليّ للّغة العربيّة (السودان).
غير أنّ احتفاظنا بمصطلح (لسانيات تعليميّة) ـ علاوة على ما قدّمناه أسفله مِن الإيضاح (3.3.1) ـ تشفع له مزايا منها كون الميدان الذي يدلّ عليه هذا المصطلح يستفيد من اللّسانيات ويُفيدها، أمّا الاستفادة فهي بادية في كلّ ما سيأتي من المحاضرات، وتتمّ إفادة اللّسانيات بفعلٍ رجعيٍّ حيث تمثِّل (اللّسانيات التعليميّة) حقلاً خصبًا للأعمال والأبحاث الميدانيّة التي تثبت ما تأتي به اللّسانيات النظريّة أو تفنِّده . بهذا التحليل نفهم أن القضيّة لا تتعلّق بتعليميّة اللّغات فحسب لكن الأمر يتعدّى ذلك إلى إحداث جسورٍ بين التعليميّة واللّسانيات عبر قانون التأثير والتأثّر، أو بالأحرى أصبح الأمرُ في وقتنا الحاضر يتعلّق بضرورة ترميم تلك الجسور العتيق.
لا يُجانب الصوابَ من يرتاب في إمكانيّة الجمع بين مصطلحيْ (تعليميّة اللّغات واللّسانيات التعليميّة) في ذات السياق ـ أو في سياقاتٍ متباعِدة في طيات نصٍّ واحدٍ وكذا في نصوص مختلِفة أنتجها مؤلِّفٌ واحِد، بل وحتّى في حالة إنتاجها من قبل مؤلِّفين متمايِزين ـ من غير الوقوع في اضطرابٍ على مستوى الدلالات المحتمَلة؛ لهذا يجدنا القارئ نتفاعل مع هذه الإشكالية، إذا صادف وأن جمعنا بين المصطلحات الثلاثة أو على الأقلّ بين مصطلحين، بطريقةٍ نحسبها راشِدة، إذ نميِّز بينها آنيًّا معتبِرين المحور الاستبدالي والمحور التركيبي بهذه الصيغة المختصرة:
• تعليميات (تتعلّق بكلّ بمواد التعليم دون استثناء)
• تعليمية اللّغات (فعل تعليم اللّغات والنظر فيه على ضوء كلّ الاختصاصات القريبة من مجالات التعليم)
• لسانيات تعليميّة (لسانيات تطبِّق وتمارِس درسَها ـ بكلِّ طاقاتها من قريب ومن بعيد ـ على ذلك النظر، أي ” النظر على ضوء كلّ الاختصاصات القريبة من مجالات التعليم “ واللّسانيات في المقام الأوّل).
دونك هذا المقتبَس الذي ألَّفْنا فيه بين مصطلحيْ (تعليميّة اللّغات واللّسانيات التعليميّة) وجمعناهما في ذات السياق، ونستطيع الزّعمَ أنّه من دون أن يحدُث ذلك أيَّ خَللٍ في طريق المفهوم المعالَج على هذا المِنوال :
 ” لعلّ ذلك يرجع إلى صعوبة قيد الموضوع كلّما خاض الواحِدُ في هذا المجال (الأمن اللّغويّ والتخطيط اللّساني)؛ بل هذا ما يليق بنا أن نهتمّ به إذ نسلك مَسلك الترشيح منه ما يعود إلى نصاب تعليميّة اللّغات فتتولّى اللّسانيات التعليميّة زمامَ أموره “.
ونترك للطالِب مجالَ التأمّل في هذا الاستعمال ” الحكيم “.
نتحدّث هنا عن اللّسانيات التعليميّة العامّة ، إذ هناك لسانيات تعليميّة خاصّة وهي الّتي تتضمّن القواعد الخاصّة والمتعلّقة بلغة بعينها مثل اللّغة العربيّة أو اللّغة الفرنسيّة أو اللّغة الإنجليزيّة، حيث يقال مثلاً (La didactique de la langue française) التي تُخصَّص لها دوريات كثيرة من أجل تحسين مستويات تعليمها وتعلّمها مثل مجلّة Le Français dans le monde أو مجلّة Langue française اللّتيْن يلاحظ عليهما طابعهما الإشهاريّ والترويجيّ ، لكن رغم ذلك تظلاّن مجلّتين تعكسان الغيرة التي يكنّها المختصّون الذين ينشرون في أعدادهما الزاخرة على لغتهم. ولا ينبغي أن نتجاهل هنا كتابًا جاء صدوره في وقت كانت اللّسانيات لا تزال في منأًى عن الانشغالات التعليميّة وهو: Linguistque et enseignement du français الذي مدّ جسر التواصل بين اللّسانيات وتعليم اللّغة وفتح أبواب النقاش بين المجالين. كما لقيت هذه اللّغة نفسُها اهتمامًا مِن قبل عناوين كانت تتصدّر دوريّة Etudes de linguistique appliquée.
فالعناية التي أحيطت بها اللّغة الفرنسيّة في ظلّ إرهاصات اللّسانيات التعليميّة وتطوّرها هي المسعى المنشود الذي كان مِن المأمول أن تطمح إليه تلك الدراسات التي تتولّى نشرَها مجلّةُ اللّغة العربيّة الجزائريّة وتتفرّغ لتحقيقه كاملَ التفرُّغ وأن تشكِّل صفحاتُها ميدانًا تلتقي فيها أفكار المختصّين الذين لديهم أعمالٌ تطبيقيّة تتعلّق بواقع تعليم اللّغة العربيّة واللّغات الأجنبيّة في الجزائر وآفاق إدراج تعليم (لغة الأمّ) في المنظومة التربويّة الجزائريّة وهو إحدى تطلّعات هذه الأخيرة.
وكذلك يُقصَد من جهة أخرى، باللّسانيات التعليميّة الخاصّة تلك النّظريّات الخاصّة الحصريّة الراجعة إلى واقع تعليم لغة بعينها والّتي تصف المبادئ المتحكّمة في وضع المناهج في حقل تعليم اللّغات وفق قانون التعميم الممكِن..الخ. وهذا التّمييز بين اللّسانيات التعليميّة العامّة أو النّظريّة العامّة للّسانيات التعليميّة من جهة، وبين اللّسانيات التعليميّة الخاصّة من جانب آخر، يوازي التّمييز على مستوى آخر بين اللّسانيّات العامّة وبين اللّسانيّات الخاصّة بِلُغةٍ ما.

2.1 دائرة اختصاص اللّسانيات التّعليميّة:

قبل إيراد إشاراتٍ تخصّ الموضوعَ، ولكي لا نضيِّق الواسِعَ الذي سيبدو لنا جليًّا فيما نتعرّض إليه في معرض حديثنا عن تقاطعات هذا الاختصاص بغيره من الفروع العلميّة، نفتح دائرته على نفسها لنجِدها تشمل موادَ علميّة وتطبيقات ” تعليميّة “ بعضُها مرتبطٌ مباشرةً باللّسانيات باعتبارها تدرس اللّغة وتصفها، وأخرى لها صلة معيّنة بكيفيّة تعليم هذه الأخيرة والتحكّم فيها. كما تنظر في الوسائل والأهداف والإجراءات اللاّزمة والمحدِّدة لكيفيّة تعلّم اللّغة وتعليمها. وكذلك تُعنى بمستوى تعلم / تعليم اللّغات الذي يتمتّع به المتعلِّمون بينما يخضعون لبرامج تعليمية، وتُحلّل هذه الأخيرة وتُدلي بدلوها حول عواقب الاستمرار في تطبيقها وتُفكِّر في البدائل إذا اقتضى الأمرُ ذلك. لهذا تلتفت اللّسانيات التّعليميّة إلى الدّراسات التّطبيقيّة التي تتناول اللّغة بالبحث؛ فمجالها واسِعٌ جدًّا، إذ تستفيد مثلاً من الدّراسات التي تُنجَز حول أخطاء المتعلِّمين وممّا يراعى في وضع البرامج التّعليميّة. كما تستمدّ مادّتها من الدراسات النّظريّة التي هي بدورها خلاصة التنقيب في طبيعة اللّغة وكيفيّة عملها. فهكذا تتّسع دائرة اللّسانيات التّعليميّة وتتعمّق عبر جذورٍ تاريخيّة ونظرية لتضمّ أفكارًا من تحليل النّظم (System ysis) التي لا يتسنّى لأحدٍ أن ينكر انتسابها السلاليّ إلى البنويّة التي سندرسها في النّظريّة اللّغويّة، ومن نظريّة النّمذجة السلوكيّة (Social and behavioural ling theory)، وهي النظريّة التي نتوسّع فيها عبر المحاضرات الخاصّة باللّغة والمجتمع، ومن البحوث التي أجريت على فاعليّة المعلِّم، ومن الناحية التاريخيّة يلاحظ أنّ بعض جوانب اللّسانيات التّعليميّة مشتقّة من علم النفس (اللّسانيات النفسيّة) ومن التربية بل وحتّى من علم الاجتماع (اللّسانيات الاجتماعيّة) ..الخ. فاللّسانيات التعليميّة تستمّد أفكارها ومعطياتها ونظرياتها من كلّ ما يساعد على فهم التدريس وما يجري في الأقسام المدرسيّة التي تحتضن تدريس اللّغات؛ كما تجد ضالّتها في كلِّ مجالٍ يضطلع باللّغة موضوعًا أو شيئًا آخر إلى أن تشمل حتّى بعض القضايا التي تتعلّق ببيداغوجيا الترجمة وتعليميّتها، وكذلك لكون عصبها هو اللّغات وما يسهِّل العبور من لغةٍ إلى أخرى: فالمشترك بينهما ـ كما سيأتي إيضاحه ـ هو ما تستنير به الترجمة من الدراسات التقابليّة التي تُجرى على مختلَف اللّغات وما تقبِل عليه اللّسانيات التعليميّة من التأمّل في المتسامحات الكائنة بين لغة الأمّ واللّغات الأجنبيّة وفي متجاوزاتها.
نشير هنا إلى أنّ هذه الدّائرة معرَّضة للتّوسُّع، وذلك كلّما وجّه الباحِثون أبحاثَهم الوجهة التي تقتضيها وظائفُهم المندمِجةُ في أطُرِها: قد يتشبّثون بإطارٍ نظريٍّ ذي طابع معرفيّ، كما سجّلناه أسفلَه في تقاطعات اللّسانيات التعليمية بعلم النفس. كما يخضع ذلك التوسُّع لتخصيص مساحاتٍ جديدة منها للّسانيِّين الساهرين على توظيف رصيدهم الفكريّ (اللّسانيّ) في إرشاد عمليّة تعليم اللّغات وفي تحديد أوجه تطبيقاته الممكِنة على هذه الأخيرة، ويتمّ ذلك التخصيص بواسطة ما يُنجَز من دراسات تتمحور حول الكيفيّات التي يجري بها تطبيق النظريات اللّسانيّة في ميدان تعليميّة اللّغات. وقد أبرز شارل بوتون (Charles Pierre Bouton) جملة من الدراسات التي كان لها فضلُ السبق عند إسهامها في تسجيل ذلك التحديد، وذلك رغم كلّ ما اكتنفها من صعوباتٍ ترجع في الأساس إلى عدم وضوح الرؤية عند المعلِّمين وكافّة البيداغوجيّين فيما يخص سبل تطبيق النظريات اللّسانية في ميدان تعليم اللّغات وكذلك رغم التفات هؤلاء ـ الذي جاء متأخِّرًا ـ نحو اللّسانيات وحرصهم على التزوّد من منبعها بما يساعدهم في عملهم التعليميّ والتربويّ استدراكًا لما فاتهم وعملاً بتوجيهات وتحسيسات مثل تلك الدراسات التي سطّر شارل بوتون تحت أهميّتها وأشاد بدورها الطليعيّ والتبشيريّ.

3.1 موضوع اللّسانيّات التعليميّة:

تشتغِل اللّسانّيات التعليميّة على موضوعٍ معيّن، لكنّه موضوعٌ ممتدّ الأطراف وحافلٌ، ليس مِن السّهل رسم حدوده مهما بانت ملامِحُ الدائرة المعالَجة أعلاه، لا سيّما إذا علمنا أنّه موضوعٌ مشترَك تنافسها فيه عدّةُ فروعٍ معرفيّة. لهذا يُفضَّل إجراء مقابلة في هذا الأمر من جهة بين تلك المواد العلميّة واللّسانيّات التعليميّة (2.2؛ 3.2؛ 4.2)؛ ومقابلة مِن جهة أخرى ـ كلّما تسنّت الفرصة أثناء الدّروس ـ بين المفاهيم المتداخِلة والمتكاملة والمتزاحمة والمتعارضة أحيانًا، وذلك داخل اللّسانيّات التعليميّة الّتي تطالَب أن تلتزِم حدودَها، على الرّغم من أنّ تعريف هذه الأخيرة يكتنفه كثيرٌ من تضارب الآراء وذلك بحسب اختلاف زواياها وعمق الرّصيد النّظريّ وتشتّت المجموع التّطبيقيّ الّذي يُسعى إلى تنظيمه على أنّه ما يزال يشهد تفريعات وتقسيمات جديدة.
لهذا ترانا هنا نشرع أوّلا في تحديد ثلاثة أمورٍ مركزيّة مصحوبة بمظهرها التسمويّ الجليّ، وتمييز بعضها عن بعض، مع الإشارة إلى العلاقات التي تربط بينها، وهي أمورٌ يمكن التعامل معها بمختلف الكيفيات الكائنة والممكِنة:
 إمّا على أساس أنّها مفاهيم متميِّزة في واقع الأمر لكنها متداخِلة: فيكفي حينها رسمُ حدود كلّ مفهوم إلى أن يتميّز عن غيره، ثمّ التبيّن من مجال الاحتواء والتداخل، والعمل على التعارف من خلاله باعتباره إحدى قنوات الاتصال بين تلك المفاهيم المنفرِدة.
 أو بإحلالها ـ في آخر المطاف بعدَ أخذٍ وردٍّ ـ محلَّ مرادفاتٍ مصطلحيّة: أي أنّها لا تزال تدلّ على ذاتِ المفهومِ وواحِدٍ فحسب، مع الملاحظة أنّ كلَّ ما في الأمر أنّها لم تكفّ عن الخلخلة والالتباس في تسمياتٍ متكاثرةٍ ناجمةٍ عن تداول البحَثة ـ بمُبتدِئهم ومُتضلِّعِهم ـ على أطوارها الغريبة وعلى انفراد، أو ـ ورغم الاتّصال القليل على كلٍّ ـ عن اختلافات في وجهاتِ نظرٍ قائمةٍ بينهم أثناء التعريف بها والخوض في قضاياها؛ فيُعمَد في كلتا الحالتيْن إلى الاحتفاظ بأحاديّة المفهوم، مع الإقرار بأمر الواقِع أمامَ تعدّديّة التسمية، ويُنقل النقاشُ الذي لا يمنعه رادِعٌ ـ حين هذه الحالة، وكلّما اقتضى الأمر ذلك، كما تجدنا نعمل به في هذا السياق ـ من رقعة المفهوم إلى وسَط التسميّة ويُخضَع لمنطِق هذه الأخيرة وقواعِد لعبتها.
 نسجِّل هنا تحفُّظًا مُؤدّاه أنّ عبارة (مرادفات مصطلحيّة) التي بادرنا بها أعلاه تختلف ـ لا سيّما إذا تموقعنا في مجال المصطلحيات ـ عن المرادفات المعجميّة العادية التي تناولتها فروعٌ لسانية مختلفة مثل: علم الدّلالة وعلم متن اللّغة والترجميات، وأسبقهم إلى هذا الموضوع فقه اللّغة. ويرجع ذلك إلى اختلاف زوايا التعامل مع ذات القضيّة؛ ههنا وظيفة النعت ” مصطلحي “ التمييزيّة (Fonction pertinente)، فهو ليس فارغ الدلالة ولم نستعمله من باب الإطناب بقدر ما فكّرنا في التدقيق، إذ قد نقع في تناقضٍ صريح، لأنّ ربَّ معترِضٍ يعترِض علينا، فيقول: كيف إذ اعتبرتم التسميات مرادفات وصنّفتموها فيها والحال أنّه يوحي طرحكم المودِع في طيات تحليلكم أنّكم ـ وفق ما خلُصت إليه الكيفيّة الثانية ذاتها ـ تمنعونها عن التناوب على المفهوم الواحد (مع تصوّر تلك النسبة التي يقرّ بها حتّى فريق المثبتين لظاهرة الترادف في اللّغة) ؟ فنعقِّب على هذا الاعتراض بالقول: إنّما عمدنا إلى استعمال المركَّب (مرادفات مصطلحيّة) حرصًا منّا خصِّيصًا على دفع هذا اللّبس الذي يحقّ لغيرنا أن يسألَ عن مصيره في كنف الجمل المتعاقِبة في فقرات نصّنا وكذا انعكاساته على المفهوم وعلى القارئ ” المتعلِّم “ أيضًا. فيمكن نفي الترادف وإيعاز القضيّة إلى تنوّع مصطلحيّ ـ من جهة ـ لصعوبات تحل دون التوحيد، ومن جانبٍ آخر لتعيين فروقٍ في الدلالات.
على كلِّ حال، مهما شقّت علينا مهمّة الفصل بينها وضبط مشتركاتها لا يمكِن لنا التغاضي عنها، والمسألة تتلخّص مع كلّ تعقيداتها المحتمَلة بانطواء الساحة العلميّة والإعلاميّة وبتوفُّر المعجم على:
1. التعليميات
2. تعليميّة اللّغات
3. اللّسانيات التعليميّة
1.3.1 التعليميات:
كلّ التعريفات التي تتمحور حول التعليميات تأخذ بالاعتبار المثلّث التعليمي ـ الذي ما فتِئ البعضُ يسمّيه المثلّث التربويّ ـ وهو المشكَّل مِن ثلاثة أطرافٍ هي:
المعلِّم
المتعلِّم
المعرفة،
وقبل البدء في التحليل نسجِّل كون أحمد حساني يضع في موضِع (المعرفة) (طريقة تعلّم) ؛ على كلٍّ، لكي نفهمَ كيف تتوزّع المهام في المدرسة حسب هذه الأطراف لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أنّ عمليّةَ التعليم هي أوّلاً ممارسة في الميدان، وإذ كانت كذلك فهي في آنٍ واحدٍ المنطلَق المتميِّز والمحطّة الأخيرة لكلّ تساؤلٍ تربويٍّ وتعليميٍّ، وهذا في بُعدها الأبعد عن قضيّة المعرفة في حدّ ذاتها ولوحدها وفي تبعيّتها وارتباطها المزدوج مرّة بالمعلِّم وحينًا آخر بالمتعلِّم؛ لأنّ المدرسة ما كانت يومًا مهمّتُها تتوقّف على تخريج العلماء، وأقّل من ذلك، ما رمَت لحظةً تصنيعَ تلاميذ متخصِّصين في المواد التي يُعلَّمون إياها، وما كان لها لتنشد ذلك، إنّما تسطِّر التفوّقَ المدرسيّ هدفًا أساسيًّا لها، ويتأتّى هذا الأخير من التربية والتكوين أكثر من مجرّد التعليم: فالطابع التربويّ التكوينيّ (أي انتقاء المعارِف وبناءها من أجل التفكير السليم، وتحسين السلوك وتهذيبه وتكييفه وإكساب المهارات وتعريف المرء بمحيطه) هو أسبَق على الطابع التعليمي (أي إيصال المعرفة الخالصة والعمل على تثبيتها في الذهن وتمثُّلها وقولبتها على أشكال مخترعات): وهو الذي تتحتّم مقتضياتُ الساعة إنزالَه منزلةَ الملحَق مهما تمظهر لنا بكيفيات تُعدّ أكثر إلحاحًا من أيّ ذي فترة زمنيّة ماضية. لأنّ إنتاج المعرفة يحدث بتعاون الجميع وخارج المدرسة ـ إن كان على هيئة أن تتولى أمره وتنظِّم شؤونه فالجامعة أولى به ـ ولا يتّسِق مع طموحات هذه الأخيرة السامية والمتواضِعة في ذات الوقت ولا مع مبادئها الأساسيّة المتعلِّقة بالتعليم الإلزاميّ والمجاني والمعمَّم: إنّ إنتاج المعرفة يشمل المدرسةَ وهي لا تنفلِت منه لكن لا تشمله أيضًا.

فمشوار التعليميات يقوم على:[/
color]
1. رصد خطوات المعلّم وترقّبها منذ مرحلة إعداده وتكوينه الخاص إلى ممارساته في الميدان، إذ يقارب المعرفة ويراقب أجزاءها التي تهمّه ليجعلها في مُتناول شخصِه وموضوعه (المادّة والمتعلِّم) وكذلك إذ يتدرّج حسب فترات تدريبه التّأهيليّة في دوريات تكوينيّة وحلقاتها: فتكوينه مستمرٌّ أبدَ الدّهر (المعلِّم والمعرفة هذه المرّة) مهما ترسّخت قدمُه في الأقدميّة.
2. ويتناسق ذلك المشوار أيضًا مع دوره في تتبّع كيفيّة تفاعل المتعلِّم مع وسطه المدرسيّ والعائليّ والاجتماعيّ إذ تمارَس عليه وظيفة التربيّة والتكوين والتعليم.
3. وينظر مشوارُها كذلك في المواد العلميّة التي تقرِّب إلي المتعلِّم المعارف العلميّة والمفاهيم الطبيعيّة والإنسانيّة من حيث مدى انسجامها وحاجيات المتعلِّم، وتتحقّق من طبيعة الوسائل البيداغوجية المسخَّرة لذلك؛ وتتأمّل في الأهداف المنشودة وهذا بمراعات ضلعيْ المثلَّث الآخَريْن (المادّة ” وليس المعرفة “ والمتعلِّم).
وتلتزم التعليمياتُ الحدودَ التي يرسمها لها ذلك المشوار إذ يتّخذ قسطٌ مِن عملِها مواقفَ الوصف والتعريف مع إمكانية التدخّل الظرفيّ من أجل إرشاد العمليّة التربويّة وتوجيه المسار التعليميّ الذي يقتفيه المتعلِّم، وذلك بتقديم تحليلات حول مظاهر التعليم النظريّة والتطبيقيّة من غير أيّ قيودٍ ناجمة عن تقليص دائرة مواده التعليميّة، بل تعكس فقط الواقع المدرسيّ وتكشف ملامحه لكي يسهُل التعرّف عليه وكذلك ترفع النقاب عن جوانبه التعليميّة السلبيّة والإيجابية وتنكبّ على تجلية مواطن الخلل التربويّ. وإذا سمح الأمرُ لتلك المظاهر أن تتعدّى إلى مجالات فبما تمتدّ إليه تلك الأطراف الثلاثة عبر صلاتٍ طبيعيّة من الأسرة والرياضة والإعلام ..الخ.
ويستمرّ تواجد التعليميات إلى جانب تشخيص السلبيات للعمل على دحضها والحدّ منها، والإعلان عن الإيجابيات للدّعوة إلى تكريسها أداءً للواجب المنوط بها إذ تساعد على تناقل المناهج المدرسيّة والبرامج التعليميّة والمنظومات التربويّة عبر العالَم بأسره، فواجبها هذا أكبر وأنبل من أن تتخلّى عنه: فالكراريس الإعلاميّة التي تصدر سنويًّا ـ لمرافقة مسيرة هذه الأخيرة الزمانيّة والمكانيّة ومراقبتها ـ تظلّ نسبتُها وحركتها في المعمورة دائمة الحاجة إلى التحسين والتحسيس من أجل الحصول عليها والتأمُل في الدراسات التي تُنشَر فيها (هنا الطّابِع التطبيقيّ للتعليميات لو نشدته المدرسة الجزائريّة لشدّت من أزرها وثبتت أمام العوائق).
لا تفوتنا الإشارة في هذه الوقفة إلى أنّ بعضَ الباحِثين قد وجّهوا نصيبًا كبيرًا من اهتماماتِهم صوبَ مسألة التفوّق المدرسيّ وتعثّره، وكذا المقتضيات والشروط التي تتحكّم في أيٍّ منهما ، كما اعتنى البعضُ الآخر في ظلّ التعليميات ـ وهذا منذ عقودٍ ـ بتحديد مؤثِّرات الوسط المدرسيّ على تعلّم التلميذ وآفاقه وقعًا وتوقّعًا، وذلك انطلاقًا مِن علاقة المعلِّم بهذا الأخير وتشخيص العناصر التي تُسهِم بالفعل في إنماء شخصيّة الطفل وهو يتنقّل من مناخٍ تربويٍّ إلى آخر .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
khaled


مؤسس و مدير المنتدى
مؤسس و مدير المنتدى


الجنس الجنس: ذكر
المستوى الدراسي المستوى الدراسي: طالب جامعي
هوايتي: المطالعة والرياضة
مسآهمآتے مسآهمآتے: 7294
التقييم التقييم: 244
الأوســـمــــة

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران    الخميس 30 أغسطس 2012 - 2:26


تعليميّة اللّغات:
مصطلح (تعليميّة) وهو مَصوغٌ في التركيب الإضافي (تعليميّة اللّغات) وضِع استجابةً لما فسحته اللّغة العربيّة في عصرنا الحالي من استخدامٍ للمصدر الصناعيّ بزيادة ياء النسبة المشدّدة على المصدر العادي مع إردافها بتاء للدلالة على الصفة يدلّ عليها هذا اللّفظ، كلّ ذلك تعبيرًا عن التحوّلات بما اقتضتها تطوّرات الحياة الإنسانيّة على الأصعدة العلميّة والمعرفيّة والتقنية بوجوهها المتنوّعة على غرار المثالية والواقعيّة والعلمانيّة والمنهجيّة وغيرها . وسواء حلّلنا مصطلح (تعليميّة) في التركيب الإضافي (تعليميّة اللّغات) من قبيل إضافة الوصف إلى المنعوت أم باعتباره تركيبًا نعتيًّا (اللّسانيات التعليميّة) كما سنرى أسفله.
3.3.1 اللّسانيات التعليميّة:
تدلّ هذه التسمية على علمٍ أو تخصّص أو مجال (إشارة إلى لسانيات) ينشد وضع في متناول المعلِّم جملة من المبادئ التي تكون اللّسانيات النظريّة (العامة) قد وفّرتها وخلُصت إليها بعد بحثٍ طويل، فهي تستوحي من الأخيرة أفكارًا وقوانين تراها تخدم عمليّة تعليم اللّغة وتحسِّن اكتسابها، سيما إذا علمنا ـ وكما سنتعرّض إليه أسفله ـ أنّ ما ييسِّر تعليم أيّ لغة هو التيقّن من أنّها نظام، لكن هذا لا يكفي إذ قد نجد مستوى من مستوياتها يشذّ عن هذه القاعدة، لذا فالقياس والسماع ـ هذا المبدأ النّحويّ المشهور الذي عني به الأصوليون العرب منذ القدم ـ يشكِّل ثنائية لا تزال تبرهن على جدواها: فبالتالي تسعى اللّسانيات التّعليميّة بهذا الشكل إلى توسيع مجالها كلّما أحوجها الأمر إلى ذلك. ولم يَكن لِلسانيّات لِتتغاضى عَنها أبدًا، لكِنّها تُولي لَها اهتمامًا مِن لونٍ آخر وفي إطار مَجالٍ تابِعٍ لَها، يُصطلح عليه باللِّسانيات التّطبيقيّة.
توجد فئةٌ من باحثين لا تميِّز بين تعليميّة اللّغات واللّسانيات التعليميّة، وأكثر المصطلحيْن شيوعًا هو الأوّل، لكن ترانا نتعامل مع المصطلح الثاني من باب تحصيل الحاصل أوّلاً إذ وُسِمت به (اللّسانيات التعليميّة) المادّة التي عنينا بتدريسها ، ثمّ لا نخفي اقتناعنا بها بناء على مسوِّغات هي الآتية:
تحرّيًا للإيجاز المفيد نفسِّر عادة ما اقتضى هذا التصرّف بأواصر القرابة التي تشدّ تعليميّة اللّغات إلى اللّسانيات.
اللّسانيات التعليميّة تواجدت في ملتقى طرقٍ تؤولُ إليه في المقام الأوّل مباحث لسانيّة وتَفِد إليه مواد تشتغل هذه الأخيرة في كنَفها.
ظلَّ سؤالٌ معلَّقًا نطرحه على هذا المصطلح هو: هل تتوقّف اهتماماتُ اللّسانيات التعليميّة على (تعليميّة) اللّغة ؟ نقول إنّها تعليميّة اللّغة كموضوع وكأداة تدريس تتعدّى إلى مواد أخرى فتشمل مثلاً تلك اللّغة المتخصِّصة التي يوظِّفها الأخصائيون عمومًا والمعلِّمون في قاعات التدريس خصوصًا .
يكاد الكلُّ يُجمِع عمومًا على أنّ اللّسانيات التعليميّة علمٌ يدرس طرق تعليم اللّغات وتقنياته، وأشكال تنظيم مواقف التعلّم التي يخضع لها المتعلِّم، ومراعاة انعكاسها على الفرد والمجتمع من حيث تنميّة القدرات العقليّة وتعزيز الوجدان وتوجيه الروابط الاجتماعيّة، ومن غير إغفال نتائج ذلك التعلّم على المستوى الحسّي الحركيّ للفرد المتعلِّم .
رأينا أعلاه أنّ اللّسانيّات التعليميّة في حاجة إلى إعادة ترتيب قضاياها. لهذا نأتي إلى تفصيل ما رأيناه مجملاً في دائرتها، ذلك بغيةَ تصنيفَها ولتسليط الأضواء على معالِم موضوعها وأهدافها وبدافع منهجيّ:
2. تصنيف اللّسانيات التعليميّة:
1.2 الصُّعوباتُ الإبِستِيمولوجِيَّة والحُلولُ التِّقَنِيَّة:
1.1.2 صعوباتُ تصنيف اللّسانيات التعليميّة:
لَيْس مِن اليُسر تَصنيفُ اللّسانيات التعليميّة. وهذا بِبساطةٍ نَظرًا لِلعوامِل الآتِية:
1. إنّ التعليميات الّتي ارتبطَ وجودُها بنظريات التعلّم عامّة أيًّا كانت المادّة التعليميّة وبطرائق التعليم، لا تقتصر وظائفُها على ميدانٍ محدّدٍ ومحصورٍ، بل تتنوّع بتنوّع تلك المواد التعليميّة من جهة، وبعُمق رابطتِها بِعديدٍ من الفروع المعرفيّة والعلميّة ـ كما أشرنا إليه سابقًا في الدائرة الاختصاصيّة للّسانيات التعليميّة ـ، لا سيّما اللّسانيّات الّتي يهمُّنا أمرُها في هذا المقام.
2. كما تتعيّن تلك الوظائفُ بِاختلاف المقامات والسّياقات التي يَتحقّق فيها العملُ التعليميّ زمانيًّا ومكانيًّا، وبتعدّد وجهات النّظر التي يندُب تبنّيها، وكذلك بتشعّب مادّتها، سواء أَتَعلّق الأمرُ منها بِالمسائل التي تعالجها أم بالأغراض التي تسعى إليها.
3. « يتأسّس كلُّ علمٍ على المشاهدة، لكن، ما دام التعقيدُ القائمُ يتعلّق فعلاً بعدم تناهي موضوعه، فلا مجالَ للمشاهدة أن تُعتبَر متناغمة ومستقصية إلاّ إذا اقتصرت على جانبٍ ما من الموضوع » . هذا الكلامُ جزءٌ مقتضبٌ ممّا قاله أندري مارتيني ـ أحد المنظِّرين العارفين لطبيعة الصعوبات التي تحول دون تحديد أيّ علمٍ تحديدًا دقيقًا من غير الإلمام بطبيعة موضوعه وتمييزه تمييزًا جامعًا ومانعًا؛ والحالُ إنّ الدراسات المتعلقة بنظريات التعلّم وبطرائق تعليم اللّغات قد طالها التنويع إلى درجةٍ صار يحق لنا معها التساؤل عما يتيح إمكانية جمعها تحت تسمية واحدة. فما هي تلك التسميات المشتركة، ذات الدلالة الكافية التي تقربها من بعضها البعض وتضمها في مجموعة واحدة متميزة ؟
4. فهذا بالضّبطِ أوجد قائمةً طويلةً مِن المُقاربات والتّطبيقات ! فَصَعُب بالتّالي اليومَ ـ وفي رحاب تكدّس المعلومات ـ تقديمُ رؤية مُوحَّدة ومُنمِّطة للّسانيات التعليميّة، تلك الّتي عندما نراعي الظَّرف الحالي نجدُها تَفتقِر إلى وضعٍ قانونيٍّ وعلميٍّ خاصٍّ بها (Statut)، أو لِنَقُلْ: هي في حاجة ماسَّة إلى المَزيد مِن التَّعدُديّة في التَّناوُل المتداخِل أو ما يُدعى بطابِع التّداخُليّة / تداخُل الاختصاصات فيما بينها (Interdisciplinarité) وفق مبدأ تكامل المعارف وتداخلها وتناغمها؛ وذلك ما أقرّت به الباحثة الجزائريّة نسيمة ربيعة جعفري في منحاها التأليفيّ وانصرفت إلى تطبيقه في دراسةٍ لها حيث تعرّضت للخطأ اللّغويّ في المدرسة الأساسيّة الجزائريّة من زاويّة اللّسانيات التعليميّة بالدرجة الأولى دون أن تنفي امتداد جانب من جوانب موضوعها إلى ما تقتضيه تلك النزعة التداخليّة .
5. لكي لا تُحوَّل هذه الحقيقة الأخيرة إلى مغالطة فكرويَّة فَعلَينا أن نَتساءلَ أوَّلاً: أليس هذا تناقُضاً مُبهِمًا ومُفارقةً (Paradoxe) ؟ ثمّ إنَّ تلك الصُّعوبة نلمسُها في هذا الجانِب ذاتِه: وهو عِظم المادَّة التعليميّة المُشتَّتة المُعْوِزَة إلى التَّنظيم والضَّبط مِن جِهة، وتَواجُد اللّسانيات التعليميّة في مُفترَق الطُّرُق تتنازعها أطرافٌ عدَّة تكاد تذوب في كلِّ واحِدٍ مِنها فَتذهب مادّته الثَّريّة تِلك شذرًا مَذَرا، مِن جانِبٍ آخر! بل يُنادى إلى المَزيد مِن المُشاركة في إعداد المَناهج التعليميّة والتَّصدّي لِمَشروع التَّنظير في مَجالِها. فَهل مِن حلٍّ تَوافُقيّ تُقدِّمه هذه الإطلالةُ على الاتِّجاهات الكاشفة عن أبعاد القضيَّة الخطيرة ؟
6. والصعوبة الجامعة هي أنّه كلّ ما فصَّلنا في تعداده لحدّ الآن من الصعوبات يؤول إلى نتيجة عويصة هي الأخرى تقول: إنّه لا توجد هناك ” لسانيات تعليميّة “ بقدر ما يوجد هناك مظاهِر عديدة، أو أشكال متنوِّعة لتطبيق هذا ” التمرين “، أو بتعبيرٍ أدقّ: لا يوجد موضوعٌ واحدٌ ذو مظاهر بيّنة يمكن معها ـ وعلى الرّغم من إمكانيّة تعدُّدها المفرِط ـ تجزئةُ العمل وفق تلك المظاهِر، وإنّما ثمّة مواضيع يصعب إنزالُها متجانِسةً وقولبتها في علمٍ ينهض بها.
من غير زعزعة وضوح هذه الفكرة ـ بل عملاً لأجل تثبيتها والتثبّت منها ـ نستحضِر هنا صنعَ كلٍّ مِن أسوالد ديكرو O. Ducrot وتزفيتان تودُروف T. Todorov حينما فضّلا إطلاق صيغة الجمع على ” العِلم “ المعني باللّغة وعَنوَنا به معجمًا وضِع ليجمع أهمّ المفاهيم التي تقوم عليها اللّسانيات، وهو ما صرّحا به في المقدِّمة، ولم يكن همّهما هو أن يعيداها إلى سابق عهدها، وما نحسبهما يقصدان ذلك، لكن اعترافًا منهما بصعوبة تحديد معالم التوحيد التي يمكن تطبيقُها على مجالٍ كلّ ما يتأتّى إلى مَن يتعاطاه هو مدى تنوّعه، وهذا يشمل حتّى الذين امتلكوا الخبرة بفعل كثرة المراس؛ لا سيّما إذا قدّرنا استهدافهما الاقتصارَ على المفاهيم المتعلِّقة ﺒ ” اللّغات الطبيعيّة “ دون التكثيف منها، ومن غير مراعاة تلك التي يشملها مفهومُ اللّغة بصفتها نظامًا، كاللّغات التوثيقيّة، واعتبار العلوم لغات تتّصف إمّا بالكمال أو النقص، وكذلك الفنون، ولغة الجسم، ولغة الحيوانات..الخ .
2.1.2 مُقتَرحاتٌ لِحلِّ الصُّعوبات:
بَعد تشخيص الصُّعوبات أعلاه نَعمد هنا إلى مََزيدٍ مِن توضيحِها مُقرِنِين إيَّاها بِما نَراه مِن حلولٍ، هي الآتِيَّة:
1. إنَّه مِن جنس التّسرُّع أن يُؤمَل الحديثُ في هذا الظَّرف الّذي نحن فيه عن لسانيات تعليميّة ذات وحدة المادّة والموضوع رغم ما حاولنا إجمالُه فيما عرضناه أعلاه ممّا يبدو أنّه وقع الإجماعُ عليه، وهذا نظرًا لِلاعتبارات الّتي أشرنا إليها أعلاه، ولِما سنراه مِن تدخُّلٍ لعدّةِ أطرافٍ اختصاصيّةٍ تتبنّى نظريّاتٍ تسعى بها إلى اقتسام ميدان اللّسانيات التعليميّة مع غيرها. فَبِالتَّالي لا بُدَّ مِن مُراعاةِ الأوْلوِيَّات في البَحث التعليميّ الّذي يَتَّخِذ مِن اللّسانيات مَعينًا لَه (على ضَوء نَظرِيَّة لسانيّة مَا ومَنهجٍ مُعيَّنٍ): فَليْسَ أحسن ـ في اعتِبارِنا ـ مِن التَّركيز في هذه الآوِنة على إعداد المَّادَّة اللّسانيّة وتَعيِين مَوضوعها (كيفيّة تعليم اللّغات) وإحاطتِه بِما يُطاق مِن التَّدقيق، ومِن تَكثيف الجُهود في سَبيل إِقامة مَنهجٍ يَستَمِدُّ شَرعِيَّته مِن نَظرِيَّاتٍ يَحِلُّ أن تُزوَّجَ بِها اللّسانيات التعليميّة. وهذا بِتسخيرِ أوجُه القَرابة بَينها وبَيْن غَيرِها مِن الفروع العِلميَّة.
2. الأمرُ لا يَختلِف كثيرًا عمّا تأمّل فيه عبد السّلام المسدّي فيما يَخصُّ اللِّسانيّات عمومًا، وهو يَقول:
« ومَعلومٌ أنّ اللِّسانيّات لم تَكن أسبق المَعارِف البشريّة إلى اتِّخاذ الظّاهِرة اللُّغويّة مَوضوعًا لِلبحث، فهي لا تستمِدُّ شرعيّتَها المَعرفيّة مِن اكتِشاف مادّة العِلم ولكِن تَستقيها مِن عِلّةٍ أخرى [...] والحاصِلُ في هذا المِضمار أنّ ما تختصُّ بِه اللِّسانيّاتُ في حدِّها لِمَوضوعِها الّذي هو الظّاهِرةُ اللُّغويّةُ لا يَتَكشَّف إلاّ متى استصْفيْنا مِن تاريخ الفِكر البشريّ مُقوِّمات تَعريف الحَدَث اللُّغويّ كما استقرَّ عُرفُه عليه » .
3. نُنبِّه إلى أنَّ إِقْحام مِلفّ اللّسانيات التعليميّة في سِجلاَّت كلّ العُلوم قد يُضيِّعها في غيَاهب الفُصول الّتي ستُطوى عليها بِاسم شِعاراتٍ كتوحيد المناهج التعليميّة. بل إنَّنا الآن في صدَد فَتح تِلك الفُصول لِنتصفَّحَها. فنُلاحِظ أنَّ حالَها بات يشبه حالاً مِن أحوال اللّسانيّات الاجتماعيّة الّتي سبق لها وأن مرّت مِن مِثل هذا المَضيق المُوحِش في مرحلة معيَّنة مِن تاريخ تطوُّرها، كما سيأتي تفصيلها أسفله (4.2). فهذا ج. ب. مارسِليسي(J.B. Marcellesi) وزميلُه ب. غاردن (B. Gardin) يُذَكِّرَانَا سنة 1980 بموقفٍ حرِجٍ ظلّتْ فيه اللّسانيّات الاجتماعيّة تعاني مِن افتقارٍ إلى موضوعٍ صارِم التَّحديد، إذ قليلاً ما اتّفق آنذاك المتخصِّصون في مجال هذه الأخيرة حول موضوعها الحقيقيّ رغم مرور عقديْن على زمن وضع مصطلح(Sociolinguistique) وذلك بفرنسا عام 1962 وبعد الاتِّفاق المزعوم على الاستبدال به مصطلح (Sociologie du langage) . وذلِك مع العِلم أنّ هذا الأخير كان هو السّائد لمدَّة حوالَي ثُلُث قرنٍ ، ولا يزال يُستَعمَل حتَّى في التَّسعينيَّات .
4. بل يُشكِّل تَصرُّف ج. أ. فيشْمَان (J. A. Fishman) إزاء المُصطلح اللاَّئِق لِلدِّلالَة على الفرع العِلمي الّذي يتناول تَجلِّيات اللُّغة في المُجتمع، شَهادةً صريحة فيتردّد في مُؤلَّفِه الّذي عنْونَه ﺒ : (Sociolinguistique) بَين هذا الأخير وبين مُصطلح (Sociologie du langage) إلى أن انتهى بِه المَطافُ إلى استِخدامِهما مَعًا على مَدى بَحثِه كلِّه :
5. ممَّا يدُلُّ على صعوبة توحيد الرُّؤية في مجال هذا الفرع العِلميِّ ! كما أدّى الأمرُ ببعض العلماء المهتمِّين بالخلفيّات المعرِفيّة الخاصّة بشتّى العلوم إلى التّضييق مِن مجالها وإرجاع مُعظَم مادّتها إلى فروعٍ علميّةٍ أخرى، مثل: إمَّا علم الاجتماع أو علم النّفس باعتبار الأوّل امتدادًا للثّاني أو إلى علم الأجناس أو علم الإناسة، وبحجّة أنّ ما أخذ يُدعى آنذاك باللّسانيّات الاجتماعيّة، إنّما حقلُها لا ينبغي أن يُنظَرَ إليه إلاّ كقطاعٍ ضُمَّت في حدوده مواضيع متبايِنة بعضها عن بعضٍ بل تكاد لا تتعارف فيما بينها لكون كلّ واحدٍ مِنها أجنبيّا بالنِّسبة للآخرَ، فسرعانَ ما تتزعزعُ أركانُ الفرع اللِّسانيّ الّذي يُعتقد أنّه تشكّل ـ مثلَه مِثل اللّسانيّات النّفسيّة الّتي أريدَ أن تُتَّبَعَ في مصطلحها ـ أي فَيُعقَل بِذلِك أن تسترجعَ كلُّ ذات حملٍ حملَها الّذي تَكون قد وضعتْه، ويعود إليها حقُّ الملكيّة فتصطدِم اللّسانيّات الاجتماعيّة بمثل هذا الواقع فتتحقّق بذلك روحُ الفكاهة الّتي وُضعَ فيها المصطلح نفسُه ! إذ صيغ (Sociolinguistique) على شاكِلة (Psycholinguistique) في البِداية لِمُجرَّد التَّقليد .
6. علاوةً على هذا فإنَّه لا بُدَّ مِن مُلاحظاتٍ مُسبَقة مِن أجل إزالة اللّبس في اعتِمادنا المُقارنة بيْن اختِصاصَين يَهتمُّ كلاهما بِجوانب مُعيَّنة مِن اللُّغة، كلٌّ مِن زاويَّته.
عِلمًا أنَّ هذا العِلم في حَاجة إلى التَّأصيل وأن ينظّمه تصوّرٌ منهجيٌّ على غِرار التَّرجمِيَّات الّتي اعْتصمَت بِاللِّسانِيَّات إبَّانَ بَحثِها عن خَلفِيَّة مَعرِفِيَّة تَعصُمها مِن التَّشرُّد والضَّياع . ونَعلم أنَّ هذا أفادها أشْياء كثيرة في بِدايات التِماسها لِلإطار العِلميِّ:
1.6 إذ أخذت تَتحقَّق في رِحاب اللِّسانِيَّات ـ على الأَقلِّ ـ مِن جدْوى ما يَحدث على مُستوى التَّطبيق. وهذا على الرّغمِ مِن اضطِرارِها فيما بَعد ـ تَساهُلاً في طرائق التَّرجمة الّتي يَنصح فيها المُستَوحون مِن اللِّسانِيَّات أو تَأفُفًا مِن الصَّرامة المُلقاة حول عُنق المُترجِمين ـ إلى التَّرحيب بإسهامات فُروعٍ عِلميَّة أخرى تحت غِطاء الإبداعيَّة اللُغوِيَّة والنِّداء بإعادة الشَّأن لمآثِر المَوهِبة النّاشِئة عن مُراعاة حيويَّة الرِّسالة والكلام . ونَجِد نَفس الرَّغبة في التَّأصيل اللِّسانِيِّ قائِمةً لدى المُمهِّدين الطَّريق لِتحليل الخِطاب كَمَادَّة مُستقِلَّة، أم متشعِّبة المشارب لا مناص من التشبّث بالنّظريّة اللّسانيّة . وهذا لِكيْ لا يَكونَ تحليل الخِطاب المُقابِل لِلتَّحليل اللِّسانيِّ مُجرَّدَ اجتِرارٍ للثُّنائِيَّة التّقابُلِيَّة: (اللُّغة/الكلام) الّتي نصَّ عليها ف. دي سوسير في سبيل تَحديد مَوضوع اللِّسانيَّات وأوصى بِها اللِّسانِيَّات الّتي أوكِلَ إليها جانِبُه النَّظريّ.
2.6 لمّا كانت عمليّة البحث عن الانتماء وكذا التصنيف بمثابة جمْعٍ انتِقائيٍّ لِشيءٍ مِمّا يَمتدُّ إليه مَيْدانُ اللّسانيات التعليميّة أكثر مِمّا هو عرضٌ لتطوّره، فذلك يتطلّب الالتِفاتَ إلى أكبر عددٍ مُمكِنٍ مِن الفُروع المَعرفيّة الّتي تتخلّله بطريقة أو بأخرى. فَكلّما تصفّحنا في هذه الأخيرة أوجزنا الطّريقَ إلى مادّة اللّسانيات التعليميّة. وهذا هو المنطلَق ـ إذا سايرنا منطِق المقارنات مرّةً أخرى ـ الذي اعتمده عبد المجيد علي بوعشّة إذ أجهر في عمله الممتاز Le discours universitaire : la rhétorique et ses pouvoirs, بحتميّة انتقاء عناصر تشكِّل قِطعًا على الرّغم من تبعيّتها لمختلَف الاختصاصات فهي قد تتمركز عند حضن حقلٍ يجوز إطلاق عليه ما أخذ يشيع تحت تسمية ” تحليل الخطاب “ لكن باستحالة إقصائه كامِلَ الإقصاء عن حيّز اللّسانيات التي من الخطأ اعتقاد أن الخطاب يتوي في الدرجة البعدية، لكن انفلت من زمامها وهو لا يزال يمارس نشاطَه بروحه .
3.6 خلاصة القول: إنّ اللّسانيات التعليميّة تنتمي إلى اللّسانيات التطبيقيّة باعتبار هذه الأخيرة حقلاً تنتهي إليه كلّ الاختصاصات التي تستمدّ من اللّسانيات العامّة أسسها النظريّة، إلى جانب كلٍّ من اللّسانيات النفسيّة واللّسانيات الاجتماعيّة التخطيط اللّساني أو ما يدعى التهيئة اللّغويّة أو الأمن اللغوي، تحليل الخطاب، الترجمة..الخ، هذا، ومِن دون التّغاضي عن حقيقة تبادل التّأثير والتأثّر بين هذه واللّسانيات التعليميّة.
2.2 اللّسانيات التعليميّة واللّسانيات التطبيقيّة:
دأبت أمّهات الكتب التي ألِّفت في ميدان التربية وعلومها والتي عنيت بتعليميّة اللّغات سواء داخل اللّسانيات أو خارجها، على تخصيص فصولٍ تتناول مثلاً لغة الأمّ (اللّغة الأولى) واللّغة الأجنبيّة (اللّغة الثانية) إلى جانب قضايا متّصلة بالترجمة أو التخطيط اللّغويّ أو أمراض الكلام، أو قضايا التواصل ..الخ، ودمجِ ذلك كلّه في عناوين رئيسيّة أو فرعيّة، أو تحملها تلك الكتب حتّى في الواجِهة فنقرأ: اللّسانيات التطبيقيّة بالخطّ العريض، وذلك كما صنع شارل بوتون حيث خصّص فصلين (1. تعليم لغة الأمّ، 2. اكتساب اللّغة الأجنبيّة في سياقٍ مدرسيٍّ) من كتابه القيِّم المعنوَن بصراحة ” اللّسانيات التطبيقيّة “ وضِمن قسم ثالث سمّاه: اللّسانيات (التطبيقيّة) المطبَّقة في مجال التربية: الطابع البيداغوجي للّغة؛ كما خصّص القسم الأوّل للّسانيات (التطبيقيّة) المطبَّقة على حقل الكلام بفصليْه: (1. تطوّر اللّسان، 2. المظاهر المرضيّة للّسان) .
وما شذّ عن هذه القاعدة ما أطلعنا به أركايني Enrico Arcaini من كتابٍ في هذا المجال رغم ما يوحي به العنوان من ابتعاد عن هذا المحور.
لتوضيح علاقة اللّسانيات التعليميّة باللّسانيات التطبيقيّة بل ولوضع الإصبع على مسوِّغات تصنيف الأولى في الثانية كما ينصّ على ذلك المقترَح رقم (3.6) الذي عرضناه أعلاه، ومن باب التدرّج والانسجام، نعمد هنا إلى تحليل المصطلحين فنورد هنا أوّلاً تعريفًا للّسانيات (العامّة) الذي هو عنصر مشترك بين الحقلين:
1.2.2 اللّسانيّات والتّعليم :
كثيرًا ما تُطلق تسمية اللّسانيّات على ما يُدعى (اللّسانيّات العامّة)، وذلك منذ أوائل القرن العشرين، لا سيّما بعد صدور دروس اللّسانيّات العامّة عام 1916 ﻟ فردينان دي سوسير (Ferdinand De Saussure) (1857 ـ 1913)؛ وهي دراسة علميّة للّغات (مجموعة منسجِمة من المعارف الصّريحة الإجرائيّة الخاصّة باللّغات)، تهتمّ باللّسان بوصفه ظاهرة بشريّة، تسعى إلى الإحاطة بخصائصها العامّة، وذلك بدراسة اللّغات المتنوّعة الّتي تُستعمَل في مختلف المجتمعات كأداة تواصل، وكأنظمة من الأدلّة الّتي تُعقد بينها علاقات تتميّز بها كلّ لغة عن الأخرى.
جعل هذا العلمُ اللّغةَ (Langue) موضوعًا للدّراسة ويرفض الإسقاطات الّتي تأتيه من الخارج. لهذا اشترط أن يملك منهجًا بإمكانه التّكيُّف وهذا الموضوع الّذي لا ينفكّ يعمل جاهدًا على تحديد معالمه وجمع مادّته بما يتماشى وذلك المنهج.
وهذه التّسمية وُضعت في العربيّة كمقابل للمصطلح الفرنسيّ (Linguistique) وقد تداول الدّرس اللّسانيّ العربيّ تسميّات أخرى غير هذه مثل (علم اللّغة)، (الألسنيّة)، (اللّغويّات).
التعليم (وكذا التّعلّم) مثلما سنكشف عنه أسفله ـ في تعريفهما العام وحسب إحدى الزوايا العلميّة ـ عمليّتا تغيُّرٍ شبهِ دائمٍ في سلوك الفرد. والتعليميّة والتعليميات كما بدا لنا أعلاه يدلاّن على الصناعة والعلم.
تتزوّد اللّسانيات التعليميّة من اللّسانيات العامّة بمعلومات أساسيّة وأفكارٍ تتّخذ منها أساسًا فكريًّا تتابع بناءًا عليها عمليّة تعليم اللّغات، وذلك على غرار ما يحدث مثلاً على مستوى التّرجمة، إذ ثمّة تطبيقات هي من وحي اللّسانيات العامّة والمفاهيم التي بلورتها هذه الأخيرة رغم ما يكتنف بعضها من الغموض والتناقضات، كأن يقول أتباعُ دي سوسير والمتأثرون باستِحالة التّرجمة الرّاجعة بالدّرجة الأولى إلى مفهوم القيمة اللّغويّة الّذي يُفسِّر نسبيّة الدّلالة، لكن نفيٌ غير نهائيّ إذ استرجعت التّرجمة (فعل الترجمة) مشروعيّتها تحت راية التقاء اللّغات البشريّة في الكليّات المشتركة؛ وكلا المفهومين (القيمة اللّغويّة والكليّات المشتركة) أفصحت عنهما اللّسانيات العامة .
إنّ النّظرة القائلة بِإمكانيّة التّوصُّل إلى ضبط خصائصَ عامّة يُتصوّر أن لُغات البشر (اللِّسان البشريّ) كلّها تشترِك فيها ـ وذلِك في إطار التّحديد الأوّل الّذي يُمكِن إسنادُه إلى اللِّسانيّات (العامّة) وفي مُقابِل اللِّسانيّات الخاصّة بِكلِّ لُغةٍ ـ مِن شأنِها أن تُسهِّل مهامًا كثيرة على المُشتغلين في مجالات التّعليم (سيّما اللُّغة الأجنبيّة أو اللُّغة الثّانية، أي في مُقابِل لُغة الأمّ)، والتّرجمة، والمُصطلحيّات ..الخ، وذلك في رحاب اللّسانيّات التّطبيقيّة.
ويُستحسن التّنويهُ بِمحاولات اللِّسانيّات النّظرية الرّامية إلى وصف نمطٍ تعبيريٍّ خاصٍّ بأيّة لغةٍ كانت، وذلك بِحمل مُختلف العوامل الاجتماعيّة والجغرافيّة والتّاريخيّة على تحيُّدِها إلى درجة الإلغاء ما أمكنها ذلك. وهذا من أجل ضمان تواصلٍ أكثر نجاعةٍ في مقاماتٍ رسميّة. وأطلق على ذلك النّمط مِن التّعبير مُصطلح اللُّغة المشتركة (الموحّدة)، سرعان ما نلقى لها صدى في النظرية التّوليدية.
2.2.2 اللّسانيات التطبيقيّة:
أمّا اللّسانيات التطبيقيّة فقد أسنِد إليها العديدُ من التعريفات، وذلك حسب الموقِع الذي تشغله ضمن تشكيلة المعارف البشريّة وفي كنف انشغالات الناس المتفاوتة؛ فاعتبِرت أوّلاً كخادِمة مجالات معرفيّة أخرى، مثل علم النفس والبيداغوجيا، وعلم الاجتماع والفيزيولوجيا ..الخ؛ إذ انتقلت عبرَ اللّسانيات التطبيقيّة ـ وفي ضوء تشعُّب المشارب المعرفيّة ـ معطياتٌ لسانيّة اقترنت بمعطيات سيكولوجيّة التعلّم وتناسبت مع طرائق التعليم الخاصّة ، وفي ذات الوقت كانت اللّسانيات النظريّة تسخِّر تلك المجالات في إطار انشغالها التطبيقيّ، مما اقتضى لهذا التوجّه هذه التسمية (اللّسانيات التطبيقيّة). ولتوضيح هذا كلّه يجوز النظر إليها من خلال هذه زوايا:
1. فما يجري في العُرف هو أن يُقابَل بين ما هو نظريّ خالص وما هو تطبيقيّ إجرائيّ، لكن ليس هناك اتّفاقٌ حول مفهوم التطبيق. فيبدو لنا أنّ المادّة التطبيقيّة تختصّ بتداخل ثلاث خصائص:
 تستجيب المادّة التطبيقيّة لمتطلّبات اجتماعيّة (حاجات جليّة: الترويض على التكلّم الخاص بالمصابين بأمراض الكلام، التعليميّة والتربية الخاصّتين بلغة الأمّ، صناعة المعاجم).
 تجمع ما بين مفاهيم ومناهج مختارة ضمن مجالات علميّة وتقنية مختلفة حيث تستعير منها ما تفتقر إليه من تلك المفاهيم والمناهج وتمنح لها أفكارًا ووجهات نظر هي من مكتسباتها.
 تقوم بحلّ مشكلاتٍ طارئة وفق نتائجٍ هي ملكٌ لها، إلى جانب وصف حدودها وتفسيرها وتعليلها.
لكن يظلّ تحديدُ ملامح هذا الاشتراك صعبًا، فتحليل الخطاب مثلاً فيه ما هو نظريّ وما هو تطبيقيّ. هذا ما يُلاحظ في تقسيم العمل المعماريّ الّذي يقوم على ما هو علميّ نظريّ ” من جنس العلم “ وما هو تقنيّ بحت وما هو فنّيّ). وفي هذا الشّأن يرى فلاسفة العلوم أنّه لم تكن العلوم لتبلغَ الذّروة في تقدّمها لولا ارتباطها الوثيق بالتّجريب ؛ بل يعود الفضل، في تنامي مادّتها وتكوين رصيدها النّظريّ، إلى انطلاقها من الميدان. ولا ينفكّ هذا الأخير يُختبر ويُشاهد مهما قيل عن أولويّة البحث النّظريّ على البحث التّطبيقيّ، بل يتبادلان التّأثير والتّأثّر ويتناوبان على التّأطير. وفي هذا الصّدد يجدر التنويه بفضل اللّسانيات التي تشغل صدارة العلوم الإنسانية وتستأثر باهتمام النظريات التواصلية والإعلامية.
2. أمّا اعتبار اللّسانيات التطبيقيّة امتدادًا للّسانيات النظريّة (العامّة) فيكمن فيما تعمد إليه الأولى (هي الأخرى) من تشخيص الظاهرة اللّغويّة ثمّ علاج المشكلات المرتبطة بها فيمتدّ حجمها بتعدّد تلك المشكلات ويتضاءل حيّزها بتناقص هذه الأخيرة.
3. وقد تكون اللّسانيات التطبيقيّة حلقة وصل بين عدّة فروع لسانيّة أو مدعِّمة لفروعٍ علميّة أخرى تسير في مدار اللّسانيات لكونها يُتداوَل فيها شؤون اللّغة .
4. لكن ثمّة مواقِف متحفِّظة تَصدَّرها الشكُّ في وجود هذا المجال الذي يُدعوه البعضُ (اللّسانيات التطبيقيّة)، ويهمّ أن نورِد هنا حججَهم التي أصبح لها أكثر من دلالة واحِدة، إذ مِن شأنها أن تكشِف عن جوانب تستّرت عنها الأفكارُ السابقة:
 صحيحٌ أنّ إقامةَ لسانيات عامّة يفرض ضمنيًّا قيامُ لسانيات تطبيقيّة، لكن نصب فواصِل بين نوعين من اللّسانيات، إحداهما نظريّة (عامّة) وأخرى تطبيقيّة، أمرٌ مرفوضٌ من الناحية الابستيمولوجية.
 تفرِض تلك الفواصِلُ ـ على ما يُقصَد بها من مجرّد التمييز ـ أنّ اللّسانيات النظريّة قد أُتمِمت مهمّتها واستُنفِذت بما أنّها عبارة عن رصيدٍ يزوِّد اللّسانيات التطبيقيّة بأدوات العمل ويسدّ حاجاتها.
 هذه الصيغة تتناقض مع واقع العلوم التي نجدها تنطوي على نظريّات لم تقل كلمتَها الأخيرة، وبعضُها الآخر لا يزال قيدَ البحث ولا يعلم أحدٌ ماذا سيسفِر عنه ولا يدّعي أحدٌ الفصلَ بين صعيدين داخل ذلك البحث بما أنّه تابع لعلم شاملٍ وواحِدٍ يكاد يجمع تحت لوائه شمل أقطابٍ جاءت من مختلف الاتّجاهات، حسبنا التمثيل بالمعلوماتية.
 لا شكّ أنّ لكلّ نظريّة لسانيّة ميدانًا حيث يتمّ تطبيقها: النظريّة التوليديّة التحويلية تختصّ بعلم التوجيه (Cybernétique) أو بالأحرى لا يمكِن فصلُها عن هذا الأخير. فبالتّالي من الحكمة أن يتكثّف تطبيقُها في حدوده؛ والعيب هو أن يتموقِع المرءُ خارِج هذا الصعيد فيمارس النظرَ في النظريّة التشومسكيّة؛ ثمّ إنّه ليس مِن مهام مَن لا ينتسِب إليها ولا مِن المفيد أن يحكم عليها بالخطأ أو عدم القبول، لكن ـ عوضَ المبادرة بذلك ـ يُفضَّل القول إنّه بإمكان توسيع نطاق تطبيق هذه النظريّة ليشمل اللّغات المُصورَنة (Formalisée) والمنطقية ؛ بيد أنّه مِن السابِق لأوانه أن ينصبَ أحدٌ نفسَه حَكَمًا يُقرِّر ما لهذه النظريّة أو تلك مِن قِطاعات تطبيق مُفصَّلة طالما البحثُ النظريّ لم يُسخَّر عن آخرِه.


المصدر : منتديات المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
khaled


مؤسس و مدير المنتدى
مؤسس و مدير المنتدى


الجنس الجنس: ذكر
المستوى الدراسي المستوى الدراسي: طالب جامعي
هوايتي: المطالعة والرياضة
مسآهمآتے مسآهمآتے: 7294
التقييم التقييم: 244
الأوســـمــــة

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران    الخميس 30 أغسطس 2012 - 2:27


5. هذا، علاوةً على تواجُد مَن لا يميِّز بين اللّسانيات التطبيقيّة وتعليميّة اللّغات، لكن هذا ليس من باب الخلط العشوائي بقدر ما هو اختيار مذهبيّ، هذا ما يصرِّح به هذا المقتبس:
« لِماذا لا نتحدّث نحن أيضًا عن تَعليميّة اللُّغات (Didactique des langues) بَدلاً مِن اللِّسانيّات التّطبيقيّة (Linguistique appliquée) فهذا العملُ سيُزيلُ كثيرًا مِن الغُموض واللّبس ويُعطي لِتعليميّة اللُّغات المَكانةَ الّتي تَستحِقُّها » .
3.2.2 تطبيقات اللّسانيات التعليمية:
تتحدّ اللّسانياتُ التعليمية بالنظر أيضًا إلى ميدان تطبيقاتها وعملياتها واحترافها، وباعتبارها أوّلاً وقبل كلِّ شيء لسانيات لكن لم تُكمِل مشوارَها ـ حسب شقٍّ مِن تحديد ج. إ. لوبري لثنائيّة (النّظريّ والتطبيقي) ـ وهو ميدانٌ يوفّر لها مناخًا من تبادل التأثير والتأثّر بينها وبين غيرها من الفروع المعرفيّة، ويجعل في طريقها هامشًا للتجريب؛ تترامى أطرافُ ذلك الميدان ليشمل ثلاث مجموعات تُصنَّف حسب المعطيات التي تقتبسها منها اللّسانيات التعليميّة:
1.3.2.2 المجموعة الأولى:
يمتدّ حيّزُ هذه المجموعة ليغطّي علوم اللّغة ـ بكلّ ما تفيده صيغة الجمع والإضافة (المركَّب الإضافي) من الشمولية والدقّة المخصِّصة في آن واحِد ـ، واللّسانيات النفسيّة واللّسانيات الاجتماعيّة، وعلم النفس التربويّ، وإن ابتعد أكثر فبما يتماشى وبُعد هذه الأخيرة المعاصر، أي بتقدير تواجدها وتعاصرها وتوافقها في نسَق معرفيّ يولي اهتمامًا معتبَرًا لكونها من العلوم الإنسانيّة في المقام الأوّل لكنّها تستنجد في أبحاثها النظريّة والميدانيّة معًا بالتجريب والمقاييس العلميّة التي لا يمنع اقتراضها من الرياضيات والإحصائيات وعلم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء، وهي التي تعدّ من جنس العلوم الدّقيقة والعلوم الطبيعيّة .
1. بالنّسبة لما يصدُر عن المعارِف اللّسانيّة المحضة يمكن أن يُنزَل منزلة:
 إمّا المفاهيم ذات الطّابع العام، أي كلّ ما يتّصل بنظريات اللّسان واللّغات، وكلّ ما له صلة بمناهج الوصف اللّساني، وجميع النظريات والتقنيات التي تحدِّد المدوّنات اللّغويّة والتي تقترحها بياناتٌ منجزة عن كيفيّة عمل اللّغات واشتغالها. بهذا وحده يتسنّى معه وضع نماذج وأنماط جديدة من اللّغة وإتاحة أنواعٍ مختلفة من الأنحاء ومتون اللّغة، مع العلم أنّ هذه الأخيرة قد تُسخَّر ـ بل وفي الغالِب ـ في سبيل التعليم المغرِض.
 أو مفاهيم ذات طابع خاصّ، مثل مشكلات الازدواج اللّغويّ، ودراسة الاختلافات القائمة بين لغة الأمّ واللّغة الثانية، والتقابلات والتداخلات اللّسانية المبنية على مقارنات تُجرى على اللّغات.
 أو مفاهيم مستمدّة من الأعمال التأصيليّة الرامية إلى إحياء التراث من كتب القدماء ورسائلهم، وإعادة النّظر فيه، كما عهدناه عند بعض الدارسين سواء عند الغربيّين أم لدى الباحثين العرب ، إذ يُشيدون بفضل النحو مثلاً وكذا فقه اللّغة وعلم متن اللّغة والبلاغة ..الخ، ويحثّون البحث اللّسانيّ إلى أن يذكر أصله وألاّ ينكر فَصلَه، وألاّ يتنكّر لمكتسبات هذه الأخيرة، ومن المفترَض أن يُشرِف على مثل هذه الأبحاث علماء راسِخون في علمهم بإمكانهم اختبار حلقات البحث المتواصلة في اللّغة. فتعليميّة اللّغات تجد في هذا النوع من الدراسات تأمّلات في اللّغة هي لخير تعليمها.
الإحياء هنا يخصّ ما لفتنا الانتباه إليه، أمّا إعادة النّظر فقد ارتكزت على دعوات تيسير النحو وتسجيل مآخذ منسوبة إلى الكتابة العربيّة (الرسم بالحرف) وصراع الفصحى والعاميات العربيّة ، « ويمكن أن نُجمِل هذه الاتّجاهات [ الإحيائيّة والنقديّة عند العرب ] في تياراتٍ ثلاثة واضحة صاحبت تقديم النظريّة الحديثة وهي:
 الوصفيّة ونقد التراث اللّغويّ العربيّ.
 التحليل البنيويّ للّغة.
 تطبيق النظريّة اللّغويّة الحديثة على اللّغة العربيّة » .
2. بالنسبة لما يرجع إلى معطياتٍ نفسيّة وما هو مِن جنس اللّسانيات الاجتماعية ومِن صميم علم النفس التربويّ، فيتعلّق الأمرُ بما توصّلت إليه الدراساتُ النظريّة ممّا يمسّ تعلّم / تعليم اللّغات الثانية، إمّا في سبيل تشخيص معالمه وتعريفه مقارنةً بواقع تعلّم / تعليم لغة الأمّ وبالتركيز على المشابهات أو بالعكس من ذلك لتمييزه عنه؛ إضافةً إلى الآليات المشغَّلة في عمليات الإكساب والتعليم، وكذلك مختلف التحفيزات والإغراءات وعوامل المذاكرة والاستظهار والخلوص إلى إبداعيّة لغويّة نشِطة.
تجمع هذه الخانة كلّ ما يتعلّق بالمقاربات التربويّة الخاصّة بالفعل التربويّ. يحسُن ههنا تمييز العناصر المنهجيّة بكلّ صراحة ودقّة، وهي التي يرجع إليها فضلُ السيادة في تحضير الوسائل التعليميّة، وتقنيات تسخير هذه الأخيرة مِن قِبل المعلّمين، وضبط أوجه تنفيذ الفعل التربويّ.
إنّ ما يتقدّم على كلِّ فعلٍ تربويٍّ هو وضع مبادئ منهجيّة يقوم عليها تصوّر الوسائل التعليميّة واختيارها. بتعبير آخر تُحدَّد الوسائل بتعريف الأهداف التربويّة: يتوقّف الأمرُ بصورة عامّة بتعيين النمط اللّغويّ الذي يُراد تعليمه.
2.3.2.2 المجموعة الثانية:
تُلحَق بهذه المجموعة الجوانبُ التي تتقدّم بها كلُّ الاختصاصات اللّسانية الفرعيّة التي كمُلت نظراتُها واستُحكِمت منازلها، والتي سيكتشفُ المتأمِّل فيها أنّها قريبةٌ جدّا من ميدان تعليميّة اللّغات بحكم انشغالاتها التي تُباشِر الكلامَ ومظاهِرَ اتّساقه وانسجامه والتي تتناول تأثيراتِه المتنوِّعةَ أبعادُه، مِن:
• الأسلوبيّة التي تُزيح السّتارَ عن مظاهِر الأسلوب الخفيّة وتمظهراته، وتبيح أقوالاً مثل الإقرار بجرأة أنّ ” الشعر اختراقٌ لنمطيّة اللّغة “،
• وتحليل الخطاب الذي يشمل الخطابَ التربويّ ويضع الإصبعَ على تجلّيات السياقات والمقامات اللّغويّة،
• واللّسانيات النّصيّة التي تمارس نظرة خاصّة على أحوال الإحالات،
• إلى الشعريّة التي يهمّها أمرُ اللّغة قبل الشّاعر؛
• ولا يُستبعَد من مجال هذه المجموعة ما ينكبّ عليه المعجميّون والمتخصِّصون في علم مَتن اللّغة من تجميع معلومات تتعلّق بالمدخلات المحتجَزة في المعاجم، فيُطلِعون العاملين في تعليميّة اللّغات على تقنياتٍ عمليّة غاية في الأهميّة، كطرق الشرح الأساسيّة، بالتعريف وصعوباته، وتحديد المكوِّنات الدلاليّة، بذكر سياقات الكلمة، بذكر المرادف أو المضاد؛ وطرق الشرح المساعدة، كاستخدام الأمثلة التوضيحيّة، والتعريف الاشتماليّ، والتعريف الظاهريّ، والصور والرسوم، وبيان النطق والهجاء، والتأصيل الاشتقاقيّ، والمعلومات الصرفيّة والنحويّة، ومعلومات الاستعمال، والمعلومات الموسوعيّة .
• هذا كلُّه، وقد تمتدّ معالمُ التّطبيق إلى ما يتّصل بقضايا المنهج، وهذا على غرار علم متن اللّغة الذي أخذت دائرةُ اختصاصه تتوسّع كلّما روعي المحيطُ الّذي تتجلّى فيه تلك الشّواهد وذلك من غير أن تتأثّر مادّتُه بتلك الاختصاصات المعنية بمستوى من مستويات ذلك المحيط .
وهذا إذا اكتفينا بذكر ما أنتجتها اللّسانيات في مزاوجتها مع الأبحاث التطبيقيّة، لا سيّما تلك التي تنشُد التنوّع في اعتماد المدوّنات: كالأمثال الشعبيّة، ودراسة قصيدة أسلوبيًّا، تحليل خطاب رئيس جمهوريّة، النظر في نصِّ أغنية من المنظور التداولي ..الخ. وللعامِلين في ميدان تعليميّة اللّغات حريّةُ التعامُل معها تعامُلاً صميميًّا أم جانبيًّا، المهمّ ألاّ تتردّد في القيام بعملٍ استكشافيٍّ يتنزّه عن التماس متفرِّقات يؤتى بها من هنا وهناك.
وقد مهّدت لمثل هذا النوع من الدراسات مؤلّفاتٌ كانت تبدو في أوائل عهدها طفرة أو حلقة ضعف في سلسلة أمّهات الكتب التي سبقتها وألّفها روّادٌ ـ أخذت المدارِس اللّسانية التي ظهرت لاحِقًا تنسَب إليهم ـ في ميدان اللّسانيات العامّة في بداياتها مثل: محاضرات.. (دي سوسير)، اللّغة (بلوفيلد)، اللّغة (سابير) ..الخ، وهي التي أعقبت هذه الأخيرة على استحياء وجاءت على منوال سوابقها هي الأخرى، مثل: قضايا اللّسانيات العامّة (بنفنيست) الذي « اهتمّ بالمفاهيم الّتي جاء بها دي سوسير حيث تعرّض إلى أغلبها في كتابه مفسِّرا وناقدا، ومن القضايا الّتي استقطبت اهتمامه العلامة ومفهومها كما يتصوّره دي سوسير » . ومقالات في اللّسانيات العامّة (ياكوسون) .
3.2 اللّسانيات التعليميّة واللّسانيات النفسيّة:
مِن نافلة القول إنّ بين اللّسانيات التّعليميّة وعلم النفس علاقة وطيدة، لكن بالأحرى أن نتحدّث عن اللّسانيات النفسيّة نظرًا لمقامها الواضح ودنوّها من اللّسانيات التّعليميّة، ثمّ إذا أردنا التّدقيقَ أكثر فعلم النفس المعني هنا هو (علم النفس التربويّ) الذي « يطبِّق مبادئ علم النفس وقوانينه على ميدان التربية والتعليم لحلّ ما يقوم في هذا الميدان من مشكلاتٍ وصعوباتٍ كضعف التلاميذ في تعلّم اللّغات، أو في تدريس القراءة لمبتدئين بالطريقة الكليّة أو الجمع بين الجنسين في مرحلة الدراسة الثانوية أو تدريس العلوم على صورة علوم عامّة. كما يطبِّق مبادئ عمليّة التعلّم وقوانينها على تدريس المواد المختلِفة كالحساب والرسم والقراءة واللّغة .. وعلم النفس التربويّ بمفهومه الحديث لا يقتصِر على أن يستعير من علم النفس النظريّ ما يصل إليه من نتائج ومبادئ تُفيده في حلّ مشكلات التربية والتعليم، بل يصوغ بنفسه ولنفسه مبادئ سيكولوجية يحتاج إليها في هذه المشكِلات » . كما يعتني هذا الفرع بتزويد المعلِّم بما يحتاج إليه من المبادئ والأسس والنظريات لتفسير عملية التعلم والتحكم فيها .
وإذا أردنا الاقتراب أكثر من علم النفس على ضوء علاقته باللّسانيات التعليميّة فيجب علينا ذكرُ فرعٍ آخر من فروعه ألا وهو علم نفس الطّفل والمراهِق الذي « تساعد نظرياتُه المعلِّمين على التعرّف على الشروط والعوامل الأساسيّة لحدوث عمليّة اكتساب اللّغة وامتلاك أسسها ومبادئها؛ والتي يُمكِن استغلالُها في تحسين الفعل التربويّ النشِط وتطويره في كلِّ اتّجاهاته » .
ويتّجِه الباحِثون اليومَ في دِراسةِ الطفولة اتّجاهاتٍ متعدِّدة تبعًا للإطار المرجعيّ، ويمكِن القولُ عن تلك الدّراسات إنّها ذات جانبيْن: أوّلهما نفسيّ يتعلّق بالأطفالِ أنفسهم، والثّاني يتعلّق بالمجتمع ومنظوماته ومنظّماته، ومؤسّساته المتنوِّعة: كالأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والثّقافة، لذا فإنّ تلك الدراساتِ تحاوِل التعرّف على أسس نموّ الأطفال وأساليب المجتمع في إنمائهم والطرق التي يتبعها في تثقيفهم، ومضامين التقيف وأنماط العلم الاجتماعيّ الأخرى مع الأطفال .
أما الاختصاص (اللّسانيات النفسيّة) فيتطرَّق إلى مَباحِث شتّى قد لا تدخل مُباشرةً في تحديد ماهيّة اللّغة ووصفها، بل ما يدعو إلى الاهتمام بها ـ لكن في المقام الثّاني ـ هو ذلك النّصيب المشترك بين تلك المباحث وبين هذه الأخيرة، وبالتّطرُّق إلى شيءٍ من خصائصها كالعوامل النفسيّة التي تتدخّل في تشخيص الأخطاء وتحليلها مثلاً، وكذلك العوامل النفسيّة التي لها دخلٌ في أمراض الكلام وكيفيّة علاجها كالحبسة وأنواعها، ومراعاة المعلِّم لحاجات تلاميذه في تسطيره لأهداف درسه، وقضايا تخصّ شخصيّة المتعلِّم لّغة وخصائصها، وما يتدخّل في تلك العملية كالذكاء والذاكرة والإدراك والترسيخ والنسيان والتوازن النفسيّ ..الخ، لهذا قيل إنّه دراسة اللُّغة من أجل معرفة العثرات التي تحول دون تقدّم مسيرة التعلّم وفي سبيل تحسين الأداء التعليمي وتوفير أجواء التحصيل العلميّ والإنذار بأيّ خلل مهدِّد لمسيرة تعليم اللّغة.
والمنهاج هو أحد الوسائل التربويّة التي تعين على نموّ التلاميذ نموًّا يؤهِّلهم للأعباء التي تتطلّبها الحياةُ والتفاعل معها، وكيفما كانت الأهدافُ وكيفما كان المحتوى والطريقة، فإنّ هذا لا يؤدّي إلى شيءٍ ما لم يعتمد على فهم حقيقيّ لخصائص التلميذ وحاجاته وميوله ومشكلاته وكيفيّة تعلّمه، فتقديم أيّ قدرٍ من الخبرات التعليميّة للتلميذ دون دراية بخصائصهوحاجاته إنّما يؤدّي بصورة أو بأخرى إلى الفشل في بلوغ الأهداف التي يسعى إليها المنهاج، ومِن ثمّ فإنّ دراسة طبيعة التلميذ تعدّ أساسًا هامًّا وضروريًّا يفيد متناوِل المنهاج على المستوى التخطيطيّ أو التنفيذيّ .
فاللّسانيات النفسيّة مجال من المجالات التي أثبتت ارتباطها الوثيق بتعليم وتعلّم اللغات، فقد ظهرت نظريات كثيرة ربطت بين العناصر النفسية لمتعلم اللغة من دافعية وميولٍ وخوف وحياء وقلق وفرح ورغبة وبين تحصيل هذا الدارس من اللغة.
« كلّ ذلك وغيره من المشكلات اللّغويّة والنّفسيّة أدّت إلى حتميّة اللّقاء بين علماء اللّغة وعلم النّفس لحلّ تلك المشكلات، وترى جودث جرين Judith Green أنّ علماء النّفس الّذين درسوا اللّغة قد تأثّروا بمؤثّريْن هما: نظريّة المعلومات Information theory ونظريّة التّعلّم Learn theory. أمّا نظريّة المعلومات فهي تبحث في عمليّة الاتّصال عامّة والاتّصال اللّغويّ بخاصّة، وهي تنطلق من حقيقة أنّ اللّغة تتطلّب من مستخدميها دراية وخبرة تمكّنهم من تتبّع أيّ جانب من جوانب الرّسالة الكلاميّة، أي معرفة الاحتمالات المتتابعة لجميع مستويات اللّغة. ويتطلّب إنتاج الرّسالة الكلاميّة استخدام نظام رمزيّ Code أو شفريّ يقوم أساسا على انتقال من المرسِل Sender إلى المستقبِل Receiver حيث يتوقّف إدراك الرّسالة على مدى معرفة المستقبِل لهذا النّظام الرّمزيّ الّذي يستخدمه المرسِل، ويهتمّ عالِم اللّغة بهذا النّظام عن طريق دراسة طبيعة الوحدات المكوِّنة له وتحديدها.
أمّا عالِم النّفس فيهتمّ بالعمليّات الّتي تحدث لدى المستقبِل حين يستقبل الرّسالة أي بعمليّات النّظام الرّمزيّ وإدراك الرّسالة » .
إنّ علاقة علم النفس العام ـ وكذا فروعه التي أشرنا إليها لحدّ الآن ـ باللّسانيات التعليميّة ذات أبعاد جمّة؛ وإذا أَنْعمنا النظرَ في الخيوط التي تَنسُج هذه العلاقةَ، فمهما كانت طفيفة ودقيقة نلمسها أيضًا فيما يسلكه بعضُ الباحثين عندما يجدون أنفسهم مضطرِّين إلى تجديد رؤاهم الملقاة على الدّرس اللّغويّ، أو على نقطة من نقطه. هذا ما يسود الدراسات التي تقوِّض الحدودَ التي أقيمت بين النحو والبلاغة على سبيل المثال، فيلجأ أصحابُ هذه الدراسات المرتكِزة على نقل الاستعارة والتشبيه من الافتراضات الجماليّة إلى اعتبارهما ” عمليّة معرفيّة “ تقوم بدور الوسيط بين الذهن والثقافة؛ وذلك بالتأليف بين المجالين وغيرهما من الفروع اللّسانيّة التي ينصبّ جزءٌ من اهتمامها على تلكم الظواهر المرتبطة بقطبيْ الرّحى (الذهن والثقافة) اللّذيْن لا تنغلق دونهما أبواب اللّسانيات التعليمية؛ ولا ينجح أولئك الدارسون في عمليّتهم التركيبيّة تلك إلاّ إذا أجروا أبحاثَهم على ضوء نظريّة تابعة لفرعٍ من فروع علم النفس؛ مثل العلم المعرفيّ أو علم النفس المعرفيّ (Cognitive psychologie)، الذي تجدر الإشارة إلى أنّه « علمٌ معاصِرٌ يبحث في إشكالاتٍ قديمة بتصوّراتٍ ووسائل حديثة. إنّه علمٌ يبحث في كيفيّة امتِلاك الذهن البشري للمعرفة، وكيفيّة تطويرها، ويبحث في علاقة المحيط بالاكتساب، وفي كيفيّة احتفاظ الذاكِرة بالمعلومة واستعمالها عندَ الحاجة، إلى غير ذلك من المباحِث الذهنيّة. إلاّ أنّ العلم المعرفيّ شاسِعٌ وكثير المنافذ والمجالات » .
وأحيانًا يتّخِذ علم النفس مواقِفَ وقائيّة وتقوم الجهاتُ الرسميّة بوضع برامج تربويّة ومناهج تعليميّة تراعي فيها التوجيهات التي يوصي بها علم النفس بالتنسيق مع تعليميّة اللّغات، وتتصدّى اللّسانيات النفسيّة في رحاب هذا التوجّه لأساسيات اللّغة وأهميّة تعليمها، كما تتعرّض لمكانة اللّسان كظاهرة طبيعيّة بالنسبة للمَعوقين ذهنيًّا، وتُسهِم في تخفيض نسب المصابين بالعاهات العقليّة كالتخلّف الذهني وتشريح دورها في إزالة العقبات التي تحول دون النموّ الذهنيّ ؛ فالاكتشافات التي تيسِّرها هذه الزاوية الوقائيّة ” العلاجيّة “ خليقة بأن تُفيد العاملين في تعليم اللّغات ومراعاة تواجد تلك الشّريحة الاجتماعيّة ضمن النسيج الاجتماعي لدفع خطر تهميشها. ونظرًا لجسامة هذه المهمّة بات من الضّرورة بمكان أن يحدث تكاتف الجهود التي يُتوقَّع أن تُبذَل على أصعِدة مختلِفة بما فيها اللّسانيات التعليميّة.
لكن مهما جسّمنا تلك العلاقة الكائنة بين علم النفس واللّسانيات سيّما في بؤرة اللّسانيات التعليميّة فتجدر الإشارة إلى أنّه غالبا ما تمّت في علم النّفس دراسة اللّسان من غير استدعاء أحداث اللّغة الملموسة، وأكثر من ذلك يُلفى الأمرُ يقع أيضا دون أن يسمح تكوينٌ لسانيٌّ باستدعاء مصطلحيّة لسانيّة. في الحين قد تذوب اللّسانيات النفسية في تخمينات في حال إذا ما غُيّبَت تلك الأحداث اللّغويّة الملموسة ورُفضت يدُ المساعدة الّتي تقدّمها. كما يحتمل الأمرُ إيعاز اللّسان إلى الفكر وليس إلاّ، ممّا يؤدّي إلى عدم التّمييز بين الأقسام اللّغويّة والأقسام المفهوميّة، الخ.
وشهدت ساحة اللّسانيات النفسية أيضا وعموما إلى غاية حوالي الخمسينيّات اكتساحا من قبل منهج التّحليل التّخمينيّ الانطباعيّ، الّذي يدنو إلى فلسفة اللّغة أكثر ممّا هو بحث تجريبيّ ودقيق في أحداث اللّغة الملموسة. هذا ما شكّل واحدا من مصادر المقاومة ـ بما أنّها مبرَّرة شيئا ما ـ وهي الّتي اعتدّ بها اللّسانيّون في وجه نفوذ النّفسانيّة (المعتبرة تدخّل الاطباعيّين غير المُباح) إلى اللّسانيّات.
فكما رأينا في آخر ما وصل إليه العنصر السابق (3.2)، قد تواجد، من جهة أخرى، لسانيّون سواء من جانب اللّسانيّات التّقليديّة أم من جانب اللّسانيّات البنويّة مَن أوصى بضرورة النّظر إلى اللّغة ـ ودراستها ـ بوصفها ظاهرة مجرّدة، واقعة خارج العوارض الفرديّة أو الاجتماعيّة (هذا التّبيّن صحيح كذلك في الأحوال الّتي سطِّر فيها بشكل صريح تحت ضرورة إرجاع الظّاهرة اللّسانيّة إلى السّياق الاجتماعيّ، التّاريخيّ، الخ.). عادة ما فُضّل ـ ولا يزال الأمر قائما ـ تحليل اللّغة في هيئتها المبلوَرة عبر أشكالها المكتوبة، إذ تتأسّس المعاجم مثلا وبصورة شبه دائمة على الجذاذات المستخلَصة من النّصوص المكتوبة، سنجد لهذا الأمر صدًى في تعليم الإملاء، الشيء الذي أسفر عن طريقة في تعليم اللّغة الثانية (اللّغة الأجنبيّة) صعُب توظيفها في تعليم اللّغة الأولى (لغة الأمّ) . وأصبح العمل بناء على ” المقتطفات “ من التّقليد السّاري المفعول: تُحلِّل الصّوتيّات التّجربيّة التّقليديّة الأصوات المعزولة، ويتمّ إجراء النّحاة في الغالب على مستوى المركَّبات أو الجمل (وكذلك الأمر بالنّسبة ” اللّسانيّات النّصيّة “ الّتي تستعين ” بالنّصوص “) الكلّ منفصل عن السّياق، الخ .
ومن جهة أخرى لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أنّ نظرة علم النفس إلى اللّغة قد تكون مغايرة تمامًا عن معالجة اللّسانيات لهذه الأخيرة، فعلم النفس يكاد يتشرّد في بحثه ليثبت أنّ اللّغة تحرّر الطّفلّ مثلاً، وهو لا يتوانى في تزويد الفرد بوصفات طبيّة (عيادية) تُدخله عبر اللّغة في صلاتٍ اجتماعيّة وفي فسحة آمالٍ علاجيّة؛ لا ننسى أيضًا أنّ علم النفس يحرص على سبل تعزيز التّواصل بين أفراد المجتمع ويرى في اللّغة الحلّ الأمكن إن لم تقل الأنجع، فالمهمّ أن نعرف المزيد عن هذه اللّغة في ظلّ علم النفس. لهذا كلّه لا بدّ أن تتميّز اللّسانيات التعليميّة وألاّ تتسرّع إلى اقتباس النظريات من علم النفس لغرض ملء الفراغ فحسب، كما يبدو أنّ البعضَ يلجأ إليه ولا يلقي بالاً لما يشوب مادّته العلميّة التي يطرقها في رحاب اللّسانيات التعليميّة من شوائب لا تمتّ إليها ولو بصلة واحدة.
4.2 اللّسانيات التعليميّة واللّسانيات الاجتماعيّة:
تتربّع اللّسانيات الاجتماعيّة في ميدانٍ تقتسمه مع اللّسانيات الإثنية وعلم الاجتماع والجغرافيا وعلم اللّهجات واللّسانيات، فهي قسيم هذه الأخيرة؛ تنهض اللّسانيات الاجتماعيّة بمهمّة تجلية التنوّعات التي تكتنف الواقعة اللّغويّة إثر اختلاطها بعوامل اجتماعيّة، وتلتمس بإلحاحٍ العلاقات الكائنة بين هذه الأخيرة وبين تلك الواقعة اللّغويّة المتنوِّعة مظاهرُها .
تولي اللّسانياتُ الاجتماعية اعتبارًا للمعطيات الاجتماعيّة التي تلتصق بالمتكلِّمين (الأصل الإثني، المهنة، مستوى المعيشة، السنّ، الجنس ..الخ) وتتبيّن من خلال هذه المعطيات نوع الأداء اللّغويّ الذي ينزع إليه ذلك المرسِل أو يُجبَر آخرٌ على توظيفه. كما نجده يولي اهتمامًا كبيرًا وخاصًا لاكتساب الملكة اللغوية الاجتماعية (Compétence sociolinguistique) وكيفيات نقلها جيلاً بعد جيل باعتبارها تؤدّي دورَ الاحتفاظ على التجلّيات الاجتماعيّة للّغة.
نسجِّل من جهة أخرى اهتمامَ اللّسانيات الاجتماعيّة بالأحكام التقييميّة التي يتبادلها الناس حول السلوكات القوليّة التي تصدر عن هذا أو ذاك. ومثل أحكامٍ تمسّ مستوى أو قيمة كلام تفوّه به فلان لجديرة بأن تشكِّل موضوع دراسة. وكذلك الشأن بالنسبة للمواقف التي يتخذها المتحدِّث حتّى من أحاديثه الفرديّة التي عهدنا اللسانيات العامّة (الوصفيّة) تصفها ملتزمةً حدودها ولا تتجاوزها إلى أكثر من البنى فما بالك بمثل تلك المواقف الشخصيّة التي أخذت اللّسانيات الاجتماعية تنصرف إليها مباشرةً بعدما وضعت لبناتها وهي تأبى المحايثة، لأنّ اللّسانيّات قد قامت، على الخصوص، بتطوير مظهر معيّن في فكرة اللّغة ” السوسيرية “، هو مظهر " نظام القيّم " الأمر الذي أدّى إلى ضرورة تحليل المؤسّسة اللّسانيّة تحليلاً محايثًا .
إذا ما أخذنا بهذا التعريف فنجد اللّسانيات الاجتماعية تنطلق دائمًا من مدوّنة موجودة وملموسة؛ لكي تتعقّب تلك التنوّعات فلا بدّ أن تكون تلك المدوّنة حيّةً تعكس جميع أشكال التحوّل الذي قد يمسّ نظامَ اللّغة. يمكن للظروف السياسيّة والاقتصاديّة، بمختلَف نتائجها، أن تؤثِّر نسبيًّا في تلك التحوّلات .
لكن هذا التوجّه لم يفت اللّسانيين منذ أن أخذ علمهم يتأسّس؛ كلّ ما في الأمر هو أنّهم توزّعوا إلى فريقين رئيسيّين: فريقٌ أخذ بمبدأ التنوّع وراعاه مسلِّطًا عليه أضواء علم النفس أو علم الإناسة أو الإثنوغرافيا أو علم الاجتماع أو كلّها في آن واحد ..الخ متّخذين على عواتقهم مسؤوليّة ضياع علمهم في علوم أخرى قد يكونون مختصّين فيها ووفدوا منها إلى عالَم اللّسانيات، فإدوارد سابير (1884 ـ 1939) Edward Sapir تحدّث عن تلك التنوّعات بإسهاب في لسانياته المعنية بلغات الشعوب المختلفة ومستنِدًا إلى توجّهه الإثني ـ لسانيّ ؛ وفريقٌ آخر فضّل رسمَ حدودٍ لعلمهم (اللّسانيات) مكتفين بتحديد اللّغة كموضوعٍ لها وذلك لأسبابٍ منهجيّة احتجّوا بها وإدراكًا منهم بخطورة تجاوز تلك الحدود وفسّروا توجّههم ذاك، كأن يقولوا: ما هو كائنٌ وممكنٌ رحبٌ جدًّا أكثر بكثير من أن يحيط به علمٌ كاللّسانيات التي كانت تفتقر ـ إلى ذلك الحين ـ إلى منهج ونظريات: هذا ما هو معروفٌ عن فردينان دي سوسير الذي كان يرى أنّه ينبغي على اللسانيات الاكتفاء بدراسة اللّغة في ذاتها ولذاتها، على اعتبار أنها نظامٌ من العلامات والقواعد، وهي كنز جماعي موجود في الدماغ كما أنه مجموعة من الاصطلاحات الخاصة بمتكلمي اللغة نفسها ومدونة وحيدة متجانسة تتيح للمتكلمين إمكانية التواصل.
إنّ المحرم أو المستبعد يعني كافّة مكوّنات التواصل الأخرى التي لا تدخلُ في إطار هذه المدوّنة نفسها. هذا ما حمل البعض إلى اعتبار لسانيات دي سوسير ضيقة جداً، واختزالية، ويحتجّون ضدّها ـ رغم كلّ الاحتفاء الذي حظيت به ـ باعتبار أنّ أيّ استخدام لتلك المدوّنة على أنه سلسلة من العمليات التي توشِك أن تطال ذلك النظام بإمكانه أن يُتاح للّسانيات فتتناوله بالدراسة.
فهكذا إذا كان اللّسانيّون، انطلاقًا من دي سوسير إلى تشومسكي، قد اهتمّوا ـ كلٌّ لاعتبارات نظريّته اللّغويّة الخاصّة وطبيعة تبعيّته إلى هذه المدرسة أو تلك ـ بإقصاء من مجال الدّراسة كلَّ ما يشير إلى العوامل المحصورة كالعمر والجنس والمهنة والانتماء الجغرافيّ، واتّفقوا على إبعاد التّنوّعات اللّغويّة قصدًا من حيّز الوصف اللّسانيّ، فذلك يرجع عمومًا إلى ما بدا لهم من ضرورة تحقيق نسبة ما من التّجريد للمعطيات المحصّل عليها ـ ولمقتضياتٍ علميّة ومنهجيّة كما رأينا ـ وإضفاء عليها درجة معيّنة من المثاليّة والتّعالي، كما كانوا يرون أنّه من الضروريّ تقدير الخطوات الأوّليّة الّتي كانت عليها النّظريّة اللّغويّة في هدفها البدائيّ وقبل تشعّبها المغالي أحيانًا. بيد أنّ ذلك التشعّب عرف هو الآخر تأصيلاتٍ نهضت بها فروعٌ هي وليدة المزاوجة بين اللّسانيات وغيرها من المجالات التي يمتدّ إليها طيفُها، واللّسانيات الاجتماعية، كما يُفهم من نقط الارتكاز على طول هذا السياق، واحدة من تلك الفروع.
لكن علينا أن نعرف المخاطر التي قد يتعرّض لها الفريق الأوّل إذا استمرّ في ابتعاده عن موضوع اللّغة أو ما شابه تلك الحركة التي حدثت تاريخيًّا بالفعل وباسم التحليل التكويني أو المدلولي الذي ولد من ملاحظة الانثروبولوجيين الأمريكيين حول عدم كفاية المفاهيم التي تكونت في الحضارات الهندو ـ أوربية وبهدف وصف الثقافات الأمريكية ـ الهندية مما أدّى إلى تكوين طرائق تهتم بالمجال الفكري أكثر من اهتمامها بالمجال اللّغوي .
فكان الحلّ الأجدر بوضعه ـ كما سبقت الإشارة ـ هو تصدّي اختصاص ما لتلك المسائل التي يبدو أنّها تستعصي على اللّسانيات العامة، فاندرجت تلك القضايا قسطٌ منها في لسانياتٍ أصبحت تُدعى لسانيات اجتماعيّة، « ومن نتائج هذا الاندراج الاجتماعيّ أنّ اللّسانيّ يتوخّى منهجًا مزدوجًا في تناوله مادّة علمه، فهو يدرس البنية اللّغويّة في جوانبها الصّوتيّة والصّرفيّة والتّركيبيّة والدّلاليّة، ثمّ يعمل على كشف ارتباط هذه البنية بوظيفتها الاجتماعيّة من خلال تأثير الجوانب الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة والدّينيّة في الكيان اللّغويّ » .
وإذا ما رجعنا إلى اللّسانيات التعليميّة التي تُعنى بالمتعلِّم أولاً وقبل كلّ شيء ـ كما رأينا في المثلَّث التعليميّ ـ فمن المنتظَر أن تحثّ خطاها نحو اللّسانيات الاجتماعيّة المعتبِرة لتلك الحيثيات والظّروف الاجتماعية، ومواقف الأفراد من الملفوظات المتبادلة، وتفطّنهم لظاهرة تناقلها عبر التّداخُلات اللّغويّة؛ ففكرة التعليم الاختلافيّ الذي تُراعى فيه الفروق الاجتماعيّة ليست من اختراع اللّسانيات المجرّدة لكنّها ناجمة عن تلاقي الميدانين (اللّسانيات الاجتماعية واللّسانيات التعليميّة) بل وحتّى المنهج التقابليّ (La méthode contrastive) الذي طالما علّق الآمالَ عليها معلّمو اللّغات الحيّة لا سيّما اللّغة الفرنسيّة كلغة أجنبيّة، وذلك منذ الخمسينيات وفي ظلّ الازدواج والتعدّد اللّغويّيْن. فاللّسانيات التعليميّة لا تملك إلاّ أن تلتفت إلى قرينتها لتميِّز من ثمارها ما تحسبه مناسبًا لهداية عملية تعليم اللّغات؛ وثمّة لسانيات اجتماعيّة تطبيقيّة تلك التي تستوعب قضايا التخطيط اللّغويّ وسيّاسات التعليم المختلفة التي تتبناها الحكومات، فتلك اللّسانيات تقف لها بالمرصاد لترشدها. هذا ما تنظر فيه اللّسانيات التعليميّة من جانبها أو تنظر إلى وجهٍ آخر من نفس القضيّة كمستوى تعليم اللّغات الذي يتمتّع به المتعلِّمون بينما يخضعون لبرامج تعليمية وتحلّل هذه الأخيرة وتدلي برأيها حول عواقب الاستمرار في تطبيقه وتفكِّر في البدائل إذا اقتضى الأمرُ ذلك كما أشرنا إليه سابقًا (2.1).
ونظرًا لارتباط اللّسانيات التعليميّة هذا الارتباط الوثيق باللّسانيات الاجتماعيّة فهي لم تقوَ على أن تبقى في منأى عن القضايا اللّغويّة الحسّاسة والمسائل القطريّة المميِّزة للوطن ولشعبه، ولم تفِر في وجه الاختيارات السياسيّة التي يُثار حولَها الجدالُ من حينٍ لآخر، ومنذ أن تسلّمت مهام النظر في البرامج التعليميّة مثلاً كانت تستبق كلّ حوارٍ مع الهيآت المعنية بتنفيذ تلك البرامج، وما توانت عن طرحِ تساؤلاتها اللّسانيّة المرتبِطة بتاريخ الأمة وبالصراعات المتعاقبة حول التعريب والفرنسة في الجزائر مثلاً؛ نعرف أنّ وجهًا آخر من هذه التساؤلات سبق وأن طُرِحت على اللّسانيات الاجتماعيّة بمصراعها المهتمّ بعلاقات اللّغة وعلمها (اللّسانيات) بالتحوّلات التي تُمنى بها إثرَ تدخُّل الإنسان ويده المؤثِّرة بإرادته التي تظلّ تراوِح مكانها وهي تتحلّى بأزياء مختلفة كالاستعمار مثلاً والاقتصاد والثقافة. فهذا لويس جان كالفيه Louis Jean Calvet استقطب اهتمامَه ما يتجلّى في التسميات التي تتيحها اللّغة من آيات احتقار المعمِّر للأهالي، ومِن أجل تحليلها ودراستها بكلّ عناية تسلَّح بمفاهيم هي من نسج اختصاصٍ هو أقرب الاختصاصات إليه وهو (اللّسانيات الاجتماعيّة).
وفي ظلّ ما تتحسّسه اللّسانياتُ التعليميّة من ضرورة إنجاز دراساتٍ استشرافيّة (Etudes prospectives) تجد نفسَها ـ مثلها في ذلك مثل اللّسانيات الاجتماعيّة ـ وجهًا لوجه أمامَ أسئلةٍ من هذا النوع: ما هي اللّغة التي يتحتّم على المنظومة التربويّة أن تتبنّاها في تعليم المواد العلميّة ؟ بأيّة لغة يستقيم وضع تعليم هذه المادّة أو تلك ؟ بل تتدخّل تحت رحمة اللسانيات الجغرافيّة التي يضمّها غلاف اللّسانيات الاجتماعيّة حسب تقسيم جان ديبواه لمجال هذه الأخيرة . وقريبةٌ من هذا النوع من الدراسات تلك التي تُنجز في إطار ما يدعى (الأمن اللّغويّ والتخطيط اللّساني) وهو قسمٌ بالنظر إلى فصوله التي تتصدّى لها اللّسانيات الاجتماعية لا يختلف كثيرًا عن جدول أعمال اللّسانيات التعليميّة، هذا ما يشهده ما صار مؤخَّرًا كوجهة يقصدها كثيرٌ من الباحثين بترفقٍ أحيانًا إذ يقرّون بحدود معالجاتهم أو بدون ذلك، على غرار ما صنعه الباحِثُ زهير غازي زاهد، لكي نكتفي بإيراد مثالٍ واحد، إذ فسح المجالَ لمباحث تعليميّة بالدرجة الأولى وضمّنها كتابه الذي وَسَمَه العربيّة والأمن اللّغويّ ، وهذا نجده فيما خصّصة للّغة ومناهج الدراسة حيث قارب ـ وإن كان بشكلٍ غاية في التشخيص السطحيّ ـ ظاهرة إيكال مهمّة تدريس العربيّة لمدرّسين غير أكفاء في غالب الأحيان. وسبقه إبراهيم السّمرائيّ إلى ذلك بعنونة أحد محاور كتابه ﺒ اللّغة في برامج التنمية ؛ وكذلك صنع ياسين خليل في مداخلةٍ له ضمن ندوةٍ، ـ ولم يمتنِع عن ذلك معظمُ مَن شارك فيها ـ سمّاها اللّغة العربيّة والوجود القومي . ويقع تحت رحمة هذا التوجّه اللّساني الجغرافي السياسيّ التعليميّ قائمةٌ مِن قضايا اللّغة وعلاقاتها بالمجتمع والجمهور والشّعوب والجغرافيا والاقتصاد والسياسة والتاريخ، ويأتي الصراعُ اللّغويّ على رأس هذه القامة، وأي كتابٍ يتعرّض لها إلاّ وكاد أن يخفق في جمع مُتفرِّقَها ومتباعِدَها، لعلّ ذلك يرجع إلى صعوبة قيد الموضوع كلّما خاض الواحِدُ في هذا المجال؛ بل هذا ما يليق بنا أن نهتمّ به إذ نسلك مَسلك تمييز منه ما يعود إلى نصاب تعليميّة اللّغات فتتولّى اللّسانيات التعليميّة زمامَ أموره.
من واجباتنا الإشارة ـ وبمناسبة ذكرنا لهذا الحقل الدراسي تحت إلحاح علاقاته باللّسانيات التعليميّة ـ إلى إسراف بعض الباحثين إذ يَحشُرون فيه مباحِث متفرِّقة بعدَ ما تشابه عليهم من موضوعاتٍ، المَلمَح الوحيد الذي تشترك فيه تلك المباحث هو تعلّقها بالعربيّة أو بغيرها من اللّغات التي تدخل هذه الأخير إمّا في علاقة حميمة أو، بالعكس، في صراعٍ؛ لكنّها لو أعملنا إرجاع كلّ مبحثٍ إلى علمه لفُرِّغ مجالُ أولئك الباحثين من محتواه ولم يبقَ منه إلاّ اندفاعهم. وهي في غالبها دراساتٌ مقتضبة (Fragmentaire) تدنو الإشكاليات المختلفة دون أن تغوص في أعماق معالجاتها.
أمّا عند الغربيّين فمن بين الأعمال التي تتصدّر قائمة اهتمامات هذا النوع من الدراسات، نجد جميع ما يتمحور حولَ تعقُّب كيفيات تدخّل الإنسان في لغته بفعل إرادته، كحملات التوعية المنصبَّة على مكافحة الأمية، وكتنظيم ألعاب ثقافيّة وتربويّة وتثقيفيّة تأتي فيها أسئلة اختباريه تتصل باللّغة مباشرة وبإملائها، وكذلك نشر القواميس اللّغويّة الساعية إلى تعميم الفائدة؛ كما لا يمكن إقصاء تعليم اللّغة من دائرة هذا الفعل اللّسانيّ الإراديّ (Action linguistique)، فتعليم اللّغة بجميع أشكاله يعدّ فعلاً إراديًا بامتياز ومن أهمّ الأفعال اللّسانية تأثيرًا في اللّغة: فهنا مجال تلاقي هذه الدراسات باللّسانيات التعليميّة .
وفي خاتمة هذا الفصل لا ننسى تنبيه كلّ مهتمّ بقضايا اللّسانيات التعليميّة إلى أنّ مثل هذه الحدّة في التداخليّة يُنتظَر منها أن تعرف مشكلات مصطلحيّة نظرًا لتداخل المفاهيم بشكل متفاقم من شأنه أن يتسبّب في لبس يُعقب لا محالة بدوره نوعًا آخر من الإبهام: وهو تداخل الجهاز المصطلحي بين اللّسانيات التعليميّة وبين غيرها من الفروع العلميّة التي تناولناها أعلاه، فهكذا شأن كلّ المواد العلميّة والاختصاصيّة التي تنشأ في حضن واحدة من هذه الأخيرة، فالدّراسات المتعلّقة مثلاً باكتساب اللّغات الثّانية من قبل كبار السّن كغيرها من كلّ مادّة علميّة جديدة، تطرح مشكلات مصطلحيّة لا بدّ أن يدنو منها الباحث في تلك المادّة ، فهكذا نرى أن المعضلة ليست وقفًا على العربيّة: لهذا ترانا كلّما تسنّت لنا فرصة التعليق على أيّ مصطلح إلاّ وعمدنا إلى ذلك.
زِدْ إلى ذلك مشكلاً خاصًّا بواقع العربيّة هو مفرط الحدّة من حيث الخطورة تعاني منها الدّراسات اللِّسانيّة العربيّة وهي الّتي تحفَل بالمفاهيم التي تستقطب اهتمام الباحثين في مجالاتها المتنوّعة وعن طريق التّرجمة، وهو كونها كثيرًا ما تقع في تضارُباتٍ، وذلِك بِحُكم العشوائيّة الّتي تقع فيها أثناء اختيار المُصطلحات المُناسِبة لِلتّعبير عن المَفاهيم المَقصودة وكذا التّردُّد بين اعتِماد التُّراث أو تجاوُزه في تناوُلِها: فحدث نوعٌ مِن التوفيق الشّبيه بِالتّلفيق، خاصّة عند الّذين لم يأتوا إليها مِن باب الدِّراسة. كما أسفر ذلك عن ارتباكٍ في سبل الاختيار بين مصطلح وآخر، مع العلم أنّ العلم الذي كان من المفروض أن يتولّى أمر هذه المعضلات المصطلحيّة يعاني هو الآخر من عدم وضوح مقامه .
خاتمة:
في الأخير نمكِّن الطلبة من بعض العناوين الإجماليّة التي نُشرت في ميدان اللّسانيات التطبيقية تلك التي تغنيهم ببعض المفاهيم المتناولة في هذه المحاضرات وتتّصل (بطريقة أو بأخرى) بمجال اللّسانيات التعليميّة، ونشير إلى أنّنا لم نقصِّر في إرفاقها بكامل المعطيات التي تُسهِّل الاهتداء إليها:
المراجع المُعتمَدة في اللّسانيّات التّطبيقيّة واللّسانيات التعليميّة:

بالعربيّة:
1. أبو غزال (معاوية محمود)، التعلم: تعريفه ونظرياته وتطبيقاته التربوية، ضمن علم النفس التربوي: النظرية والتطبيق، تأليف: العتوم (عدنان يوسف) وذياب الجراح (عبد الناصر) وعلاونة (شفيق فلاح) وأبو غزال (معاوية محمود)، دار المسيرة، عمان، الأردن، (ص.99 ـ 129)، 2005.
2. بن عيسى (حنفي)، مُحاضراتٌ في عِلم النّفس اللُّغويّ، ط.2، الشّركة الوطنيّة لِلنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1980.
3. بعيطيش (يحي)، الجوانب اللّسانية والتربوية والنفسيّة لتعليميّة اللّغات، المترجِم ع.05، (عدد خاصّ بالملتقى الدولي الثاني حول: إسراتيجيّة الترجمة)، مخبر تعليميّة الترجمة وتعدّد الألسن، جامعة وهران ـ السانية، الجزائر، جويلية ـ سبتمبر 2002.
 بودرع (عبد الرحمن)،
4. نَظَرِيَّةُ تَحْليلِ النَّصِّ مِنْ خِلالِ الأُصولِ اللِّسانِيَّةِ، الموقف، ع.05، المغرب، 1988.
5. اللُّغَةُ بَيْنَ الْخِطابِ الْعِلْمِيِّ والْخِطابِ التَّعْليمِيِّ، الموقف، ع.08، المغرب، 1988.
6. إِشْكالُ ظَواهِرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بَيْنَ النَّحْوِ الْعَرَبِيِّ و اللِّسانِيّاتِ، مجلّة كلّيّة الآداب، عدد خاصٌّ بِندوة (مَكانَة الأَنْحاءِ التَّقْليدِيَّةِ في اللِّسانِيّاتِ الْحَديثَةِ)، سلسلة النّدواتِ 10، تطوان، 1997.
7. بيكرتون (دريك) (Derek Bickerton)، اللّغة وسلوك الإنسان، ترجمة محمّد زياد كبة، النّشر العلميّ والمطابع ـ جامعة الملك سعود، الرياض، المملكة العربيّة السّعوديّة، 2001.
8. الحاج صالح (عبد الرّحمن) وآخرون، المَعجم المُوحَّد لِمُصطلحات اللِّسانيَّات (إنجليزي ـ فرنسي ـ عربي)، المُنظَّمة العربيَّة لِلتَّربيَّة والثَّقافة والعُلوم، تونس، 1989.
 حساني (أحمد)،
9. مباحث في اللّسانيّات، ديوان المَطبوعات الجامعيّة، الجزائر، 1993.
10. دِراساتٌ في اللِّسانيّات التّطبيقيّة: حقل تعليميّة اللُّغات، ديوان المَطبوعات الجامعيّة، الجزائر، 2000.
11. الحمزاويّ (محمّد رشاد)، المصطلحات اللّغويّة الحديثة في اللّغة العربيّة: معجم عربيّ أعجميّ ـ أعجميّ عربيّ، الدّار التّونسيّة للنّشر، تونس، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، ط.2، 1987.
 خليل (حلمى)،
12. العربيَّة وعلم اللُّغة البنيويّ، دار المعرفة الجامعيَّة، القاهِرة، 1995.
13. دِراساتٌ في اللِّسانيّات التّطبيقيّة، دار المعرِفة الجامِعيّة، 2000.
14. الدريج (محمّد)، تحليل العمليّة التعليميّة، قصر الكتاب، البليدة، الجزائر، 2000.
15. : روبول (آن) وموشلار (جاك)، التّداوليّة اليوم: علم جديد في التّواصل، ترجمة سيف الدين دغفوس ومحمّد الشيباني، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، بيروت، 2003.
• زكريا (ميشال)،
16. الألسنيّة (عِلم اللُّغة الحديث): قِراءات تمهيديّة، ط.2، المُؤسّسة الجامعيّة لِلدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت، 1985.
17. الألسنيّة التّوليديّة والتّحويليّة وقواعد اللّغة العربيّة: (الجملة البسيطة)، ط.1، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت، 1983.
18. مباحث في النّظريّة الألسنيّة وتعليم اللّغة، ط.2، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت، 1985.
19. سامسون (جفري) (Geoffrey Sampson)، مَدارِس اللِّسانيّات: التّسابُق والتّطوُّر، ترجمة محمّد زياد كبة، النّشر العلميّ والمطابع ـ جامِعة الملك سعود، الرياض، المملكة العربيّة السّعوديّة، 1997.
• السيد (محمود أحمد)،
20. مناهج تعليم القواعد النحويّة وأساليب التعبير في مراحِل التعليم العام في الوطن العربيّ، تونس، 1987.
21. اللّسانيات وتعليم اللّغة، سلسلة الدراسات والبحوث المعمّقة (9)، دار المعارف، سوسة، تونس، 1998.
22. شريط (عبد الله)، نظريّة حول سيّاسة التعليم والتعريب، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1984.
23. شوشار (بول)، اللُّغة والفِكر، ترجمة صلاح أبو الوليد، سِلسلة ماذا أعرِف ؟ رقم 12، المَنشورات العربيّة، (د. ب. ن)، (د. ت).
24. عبادة (محمّد إبراهيم)، الجُملة العربيّة: مُكوِّناتها ـ أنواعها ـ تحليلها، ط.02، مكتبة الآداب، القاهِرة، 2002.
25. عبد الرحمن (طالب)، نحو تقويمٍ جديد للكتابة العربيّة، سلسلة كتاب الأمّة (69)، وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة، الدوحة، قطر، 1999، ص.61 ـ 94.عبد اللَّطيف (محمّد حماسة)، بِناء الجُملة العربيّة، دار غريب، القاهِرة، 2003.
26. عبد المجيد (عبد العزيز)، اللّغة العربيّة: أصولها النفسيّة وطرق تدريسها؛ ناحية التحصيل، ط.3، دار المعارف، القاهرة، 1961.
27. العتوم (عدنان يوسف)، مقدمة إلى علم النفس التربوي، ضمن علم النفس التربوي: النظرية والتطبيق، تأليف: العتوم (عدنان يوسف) وذياب الجراح (عبد الناصر) وعلاونة (شفيق فلاح) وأبو غزال (معاوية محمود)، دار المسيرة، عمان، الأردن، 2005، (ص.13 ـ 46).
28. فلاق عروات (أحمد)، التعليميّة في الدرس النحويّ العربيّ، العربيّة، ع.1 (عدد خاص بالملتقى الوطنيّ حول ” التقويم في العلوم الإنسانيّة يومي 19 ـ 20 فيفري 2003 “)، مخبر علم تعليم العربية، المدرسة العليا للأساتذة في الآداب والعلوم الإنسانيّة، بوزريعة، الجزائر، 2003، (ص.143 ـ 158).
29. ككنبوش (كرستيان)، الذاكِرة واللّغة، ترجمة عبد الرزاق عبيد، سلسلة علم النفس (128)، دار الحكمة، الجزائر، 2002.
30. المسدّي (عبد السّلام)، قاموس اللّسانيّات: عربي ـ فرنسي، فرنسي ـ عربي (مع مقدّمة في علم المصطلح)، الدّار العربيّة للكتاب، تونس، 1984.
31. مصطفى (صلاح عبد الحميد)، المناهج الدراسيّة: عناصِرها وأسُسها وتطبيقاتها، دار المريخ، الرياض، المملكة العربيّة السعوديّة، 2004.
32. مقران (يوسف)، من قضايا الترجمة في العالم العربيّ؛ تطبيق على مدوّنة من الترجمات اللّسانيّة (مبادئ اللّسانات العامّة، تأليف أندري مارتيني، ترجمة أحمد الحمو): نحو تأسيس المصطلحيات، رسالة ماجستير غير منشورة مقدّمة لقسم اللّغة العربيّة وآدابها، جامعة مولود معمري، تيزي ـ وزو، 29. 11. 2003.
 الواعر (مازن)،
33. الأمراض اللّغويّة: سبر للتّجربة الأمريكيّة، المعرفة، ع.204، وزارة الثّقافة والإرشاد القوميّ، دمشق، فبراير 1979،
34. حول بعض القضايا الجدليّة لنظريّة القواعد التّوليديّة والتّحويليّة: لقاء مع نوام تشومسكي، اللّسانيّات، ع.06، مَعهد العُلوم اللِّسانِيَّة والصَّوتِيَّة، الجزائر، 1982،
35. النّظريّات النّحويّة والدّلاليّة في اللِّسانيّات التّحويليّة والتّوليديّة: مُحاولة لِسبرِها وتَطبيقها على النّحو العربيّ (1)، اللّسانيّات، ع.06، مَعهد العُلوم اللِّسانِيَّة والصَّوتِيَّة، الجزائر، 1982،
36. على هامش المؤتمر اللّغويّ الخامس للّسانيّات التّطبيقيّة: لقاء مع عالم اللّسان الفرنسيّ (أندريه مارتينيه)، المعرفة، ع.203، وزارة الثّقافة والإرشاد القوميّ، دمشق، 1979.

باللّغات الأجنبيّة:
1. Albert (Jean-Luc) & Py (Bernard), Vers un modèle exolingue de la communication interculturelle : interparole, coopération et conversation, in Etudes de linguistique appliquée, n° 61, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Jan.-Mar. 1986, (p.78-90).
2. Arcaini (Enrico), Principes de linguistique appliquée ; Principes pour une linguistique appliquée à l’enseignement scientifique : structure, fonction et transformation, Trad. de l’Italien par Elise & Claude Darmouni, Ed. Payot, Paris, 1972.
3. Baraké (Bassam), Dictionnaire de linguistique : Français-Arabe, Jarrouss press, Tripoli-Liban, 1984.
4. Baylan (Christian), Sociolinguistique: société, langue et discours, Coll. Nathan-Université, 2 e éd. Nathan, Paris, 1996.
5. Berrendonner (Alain), Discours normatif vs Discours didactique, in Etudes de linguistique appliquée, n° 61, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Jan.-Mar. 1986, (p.09-17).
6. Besse (Henri), Problème du sens dans l’enseignement d’une langue étrangère, Langue française, n° 08 (Apprentissage du Français langue étrangère: sous la direction d’Emmanuèle Wagner), Ed. Larousse, Paris, Décembre 1970, (p.62-77).
7. Blanchet (Philippe), La linguistique de terrain ; Méthode et théorie : Une approche ethno-sociolinguistique, Coll. Didact Linguistique, Ed. Presses universitaire de Rennes, 2000.
8. Bolton (Sibylle), Evaluation de la compétence communicative en langue étrangère, Trad. de l’Allemand par Yves Bertrand, Coll. Langues et apprentissage des langues, CREDIF, ENS de Saint-Cloud, Ed. Hatier, Paris, Juin 1987.
9. Bouacha (Abdelmadjid Ali), Le discours de la linguistique entre le faire savoir universitaire et le savoir faire pédagogique, in Etudes de linguistique appliquée, n° 61, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Jan.-Mar. 1986, (p.18-26).
 Boutet (Josiane),
10. Langage et société, Ed Seuil, Paris, 1997.
11. Didactique des langues et relations interdisciplinaires, in Etudes de linguistique appliquée, n° 72, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Oct.-Déc. 1988, (p.39-42).
 Bouton (Charles),
12. La linguistique appliquée, Coll. Que sais-je ?, 2 éme éd, PUF, Paris, 1984.
13. L’acquisition d’une langue étrangère : Aspects théoriques et pratiques ; Conséquences pédagogiques essentielles, Coll. Initiation à la linguistique, Série B : Problèmes et méthodes, Ed. Klincksieck, Paris, 1974.
14. Cardinet (Jean), Evaluation scolaire et pratique, Coll. Pédagogie en développement, Ed. De Boeck, Bruxelles, 1988.
15. Challe (Odile), Une yse de discours de formateurs en didactique des langues, in Etudes de linguistique appliquée, n° 61, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Jan.-Mar. 1986, (p.38-44).
16. Chomsky (Noam), Le langage et la pensée, Ed. Payot, Paris, 1970.
 Cicurel (Francine),
17. Le discours en classe de langue : Un discours sur mesure ?, in Etudes de linguistique appliquée, n° 61, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Jan.-Mar. 1986, (p.103-113).
18. Didactique des langues et linguistique : Propos sur une circularité, in Etudes de linguistique appliquée, n° 72, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Oct.-Déc. 1988, (p.15-23).
19. Combettes (Bernard), linguistique et enseignement du Français langue maternelle : Tendances nouvelles, in Etudes de linguistique appliquée, n° 72, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Oct.-Déc. 1988, (p.57-65).
20. Coppel (Anne), La norme, in Manuel de linguistique appliquée, T.4, (La norme linguistique), Coll. Education et pédagogie, Ed. Delagrave, Paris, 1975, (p.15-52).
21. Corder (S. Pit), Introducing applied linguistics, Coll. Language and linguistics, Penguin books, London, 2ed ed, 1993.
22. Corbeil (Jean Claude), L’aménagement linguistique du Québec, Ed. Guérin, Montréal, 1980.
 Coste (Daniel),
23. Constitution et évolution des discours de la didactique du Français langue étrangère, in Etudes de linguistique appliquée, n° 61, Série « Didactique des langues : Quelles interfaces ? », CNRS, Ed. Didier érudition, Paris, Jan.-Mar. 1986, (p.52-63).
24. Linguistique e


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
khaled


مؤسس و مدير المنتدى
مؤسس و مدير المنتدى


الجنس الجنس: ذكر
المستوى الدراسي المستوى الدراسي: طالب جامعي
هوايتي: المطالعة والرياضة
مسآهمآتے مسآهمآتے: 7294
التقييم التقييم: 244
الأوســـمــــة

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران    الخميس 30 أغسطس 2012 - 2:28


. تطبيقات:
دونك هذه المفاهيم رمينا بها إطلالة الطّلبة على شيءٍ من الأمثلة التي من شأنها أن تجلي التداخل بين اللّسانيات الاجتماعيّة واللّسانيات النفسيّة واللّسانيات التعليميّة في رحاب اللّسانيات التطبيقيّة:
1.3 الموقِف والسلوك اللّغويّين:
1.1.3 الموقف اللّغويّ:
يهمّ تحديدُ هذا المفهوم بما أنّ التّهيئة (التّخطيط) اللّغويّة مشروطة بالحاجة الاجتماعيّة. ثمّة العديد من العوامل (اللّغويّة، اللّغويّة الاجتماعيّة، السّياسيّة، النّفسيّة) الّتي تتدخّل إيجابيًّا أو سلبيًّا في تشييد [ تبنّي ] المواقف.
حسب ميزونيف ج. (Maisonneuve J.) « فالموقف يقوم على تموضعٍ (مجسّدٍ شيئًا ما) لفاعلٍ معيّنٍ (فرديّ أو جماعيّ) تجّاه موضوعٍ (شخص، جماعة، حالة، قيمة). يعبِّر الموقف عن نفسه بشكلٍ منفتحٍ نوعًا ما بواسطة مختلف الأعراض و المؤشِّرات (كلام، نبرات، إيماءات، أفعال، اختيّارات أو غيّابها [ عدمها ] )، كما يمارس وظيفة إدراكيّة [ قدراتيّة ]، طاقويّة ومنظِّمة [ متوازِنة ] على السّلوكات الّتي يتحكّم فيها ».
تؤكِّد دانيس ف. (Danes F.) أنّ « الأفراد يتبنّون غالبًا مواقفهم تجّاه اللّغة الوطنيّة بجملتها (باعتبارها مؤسّسة اجتماعيّة) في مقابِل غيرها مِن اللّغات أوّلاً. عندما يُعرَّض للخطر كلٌّ مِن الوطن واللّغة، فالصّلات الّتي تشدّهم باللّغة الوطنيّة تُحيى بصورة جدّ متينة وبالغة العاطفيّة ».
هذا الإيضاح مناسبٌ بالفعل بقدر النّظر إلى القطر المستدعى من قبل اللّغة باعتباره وطنًا.
تضيف دانيس ف. (Danes F.) في موضِع لاحق قائلةً: « تتجلّى المواقف أساسًا في زوجٍ من القضايا المتضادّة. فالصّراع بين التّوجّه العقلانيّ والتّوجّه غير العقلانيّ ذو مدًى معتبَر ».
بالنّسبة للمؤلّف فالوجهة العقلانيّة (مواقف ثقافيّة وإثنيّة [ عرقيّة ] ) تشدِّد على الطّابع الأداتيّ للّغة المشتركة وكذا الطبيعة التّوصويّة [ الآمريّة ] الّتي يتّسم به معيارُها الجماعيّ بينما تشمل الوجهة غير العقلانيّة المواقف الوجدانيّة (الانفعاليّة) والتّقليديّة (الأعرافيّة). تتجلّى هذه المواقف بلباسٍ إيجابيّ إزاء اللّغة الوطنيّة (لغة الأمّ) وترافقها صلة وجدانيّة سلبيّة تقام تجّاه غيرها من اللّغات، تلك الأجنبيّة، سيّما إزاء تأثيراتها على لغة الأهالي ».
ثمّة إذن مواقف مزدوجة الصّلاحيّة من شأنها أن توجِد خطابات أو سلوكات مُفارِقة.
2.1.3 السّلوك اللّغويّ:
لقد عرّف مؤتمر علم النّفس المنعقَد ببريستول (Bristol) في 1979 السّلوك اللّغويّ « إضافة إلى كونه نتاج الأشخاص الّذين تأثّروا بغيرهم، فهو أيضًا واحدٌ مِن الوسائل الّتي يمكِن ممارسة التّأثير عن طريقها [...] فنحن إزاء نظريّة التّلاؤم الّتي ترى أنّ الفرد يعمد إلى الخيارات المناسبة نسبةً إلى تلك الّتي يكون مخاطبه قد اتّخذها، يمكن لهذه الخيارات أن تتّخذ تحت إلحاح الرّغبة في التّوافق أو التّمايُز وهي الرّغبة الّتي يسعى وفقها المتحدِّث إلى الاقتراب من الغير أو بالعكس الابتعاد منه. وبتعبير آخر قد يكون المتحدِّث محلّ الإعجاب أو موضوع الامتعاض وذلك بالمحاكاة أو بالوقوف على طرف مناهض لما يستأثر به ».
يستكمل لانتون ر. (Linton R.)، في Le fondement culturelle de la personnalité ” الأساس الثّقافيّ للشّخصيّة “، قائلاً: « يحدّ المجتمع حدودًا يُعتبر السّلوكُ الواقع خارجها غيرَ سويٍّ. حقيقةً فكلّ سلوكٍ لا بدّ أن يُصادق عليه من قبل المجتمع إمّا بصورة إيجابيّة أم بشكلٍ سلبيٍّ (أ. غوجيمان E. Goggeman في La mise en scène de la vie quotidienne ” الإخراج في الحياة اليوميّة “).
فهذه الضّغوط كفيلة بأن تقرِّر مصير سلوك المواطن الّذي سيعرف منذ ذلك الحين أنّ الامتثال للجماعة هو «سواء السّبيل» ذاته. السّلوكات اللّغويّة مثلها مثل غيرها مِن السّلوكات هي ظواهر اجتماعيّة. فاختيّار لغة ما عوضَ الأخرى يتمّ بموجب حالة التّواصل. فعدم الخضوع الكفيل بأن يحقِّق، كما ذُكر أعلاه، مصادقة بإمكانها أن تتراوح من السّخرية إلى عقوبة إداريّة (Gumperz, Sociolinguistique inter-actionnelle) الّذي يُضيف قائلاً: يُسدَّد الهدفُ عندما يكون المتحدِّثون الّذين « يُشاركون في الحدَث من ذات الأصل الّذي ننتمي إليه ».
يقول بورديو ب. في Questions de sociolinguistique ” قضايا اللّسانيّات الاجتماعيّة “ أنّه يوجد « كلمات سليمة مِن النّاحية النّحويّة ومقبولة اجتماعيًّا » ويساند في هذا الشّأن هيمس Hymes الّذي يتحدّث عن « التّحكّم في العلاقات القائمة بين اللّغة وبين سيّاقها الاجتماعيّ الثّقافيّ ».
3.1.3 دراسة السّلوك اللّغويّ:
إذا كان فرجسونFerguson G. في Diglossia ” الثّنائيّة اللّغويّة “ قد أحصى الحالات الّتي استُعمِل فيها البدل الصّوتيّ H والّتي استُعمِل فيها البدل الصّوتيّ L وذلك في المجتمع ثنائيّ اللّغة، فقد فضّل جومبرتس Gumperz طرح الأسئلة: من يتكلّم وبأيّ لغة ؟ مع من ؟ وكيف ؟
بتعبير آخر، فالموقف اللّغويّ هو الّذي يُوجِب استعمال لغة بدل أخرى أو يفرض التّعاقب اللّغويّ. يتمّ اختيّار اللّغة كذلك بناء على استراتيجيّة التّواصل المقرَّرة لتحقيق أهداف محدّدة.
يتحدّث فيشمان (Fishman) عن « المجالات اللّسانيّة » في Domains and the relationship between micro and macro-sociolinguistics ” المجالات والعلاقة بين اللّسانيّات الاجتماعيّة الصّغرى والكبرى “. هكذا: «فبعض مجالات الأنشطة تحدّد مسبقًا خيار استعمال لغة ما». بالنّسبة إليه فكلّ دراسة للمجالات اللّسانيّة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار موضوع التّواصل وطبيعة الدّور بين المتحدّثين. يوضّح أنّ تلك « العلاقات القائمة على الدّور » هي «مجموعات مقرّر بها ومقبولة تخصّ الحقوق والواجبات المتبادلة بين أفراد نظام لساني اجتماعي ذاته».
« يتوقّف الاندماج في أيّ جماعة على هذه المعارف العمليّة والنّظريّة » (C. Baylan, dans Sociolinguistique : société, langue et culture) تجدر الملاحظة أنّه يمكن للمتحدّث أن يستعمل مختلف مستويات اللّغة بناء على الحالة التّواصليّ. فهكذا سيتسنّى لمسئول حزب سيّاسيّ أداء عدّة أدوار: أدوار السّياسيّ، الأب، المحامي، الزّوج، المواطن...).
فالعلاقات القائمة على الدّور تتغيّر في حالة إذا ما كان التّفاعل ذا طابع صلحيّ عرْضيّ (مسئول حزب مع مناضليه) حيث « يُوضع الإصبع على الواجبات والحقوق المتبادلة بين الأشخاص المعنيّين [ المتواطئين ] أو شخصيّ «احتكاكات قائمة على الميول وحاجاتها الفرديّة والمؤقّتة».
يستكمل روبيلار د. Robillard D. في L’aménagement linguistique : problématique et perspective ” التّخطيط اللّغويّ: إشكاليّة ومنظور “ قائلاً: يرتبط اختيّار الموضوع أيضًا « بالمستوى التّراتبيّ لدى المؤسّسة »، كما يرجع كذلك إلى مواطن التّواصل « قد تُناط اللّغة المستعملة للمكان الّذي يُعتدّ بها أكثر ممّا تُرهن على المتحدِّث » (Mackey dans Bilinguisme et contact) (أي الازدواجيّة اللّغويّة والاتّصال).
لهذا يميل مسئولو الأحزاب السّياسيّة الموسومة وطنيّة و/أو إسلاميّة إلى التكلّم غالبًا بالعربيّة الفصحى في المحاضرات والمداخلات العامّة أو في مقرّات حزبهم. ثمّة ارتخاء في الأماكن العادية حيث ينتابهم العطف إلى استعمال اللّغة الطّبيعيّة بل في الكثير اللّغة الفرنسيّة.
2.3 تعليميّة اللّغات وقضايا السّاعة:
هنا بعض لبنات، ولمسات، ثمّة موضوعات راهنة
1.2.3 تعليم اللّغة العربيّة المشتركة:
« لَقد أدَّى الانتِشار المُكثَّف لِتعليم اللُّغة العربيَّة المُشتركة لا إلى استِعمالِها خارج المدرسة، بل إلى مُراجعة أبنية الدَّارجات (العاميات) المُتحدَّث بِها، ممَّا ولَّد السجِّل الثَّالث » .
أيْ أنَّ اللُّغة العربيَّة المُشتركة هي الّتي أخذت الدَّارجات تَتغيَّر وِفقَ قواعدها حتَّى على مُستوى أبنيها التَّركيبيَّة والصَّرفيَّة.
غير أنَّه ليس كلُّ اللِّسانيُّين مُتَّفقين على صحَّة هذا الرَّأي. لِهذا وَجدنا الباحث رمضان آيت أومزيان مُتحفِّظًا إزاءه ومُعتَرضًا في بِداية الأمر قائلاً:
« لكن افتِراض، في هذه السَّاعة، وُجود نظامٍ فَرعيٍّ هو في طريق التَّشكُّل، ويكون بِمثابة استِعمالٍ وسائطيٍ، ليس إلاَّ مُبالغة، بِما أنَّ التَّغيُّرات المُسجَّلة تَظلُّ على الأَقلِّ مَحدودةً. هذا ما دفع سكيك إلى التَدقيق في هذه المُلاحظة وهو يَكتب: ” لكن هذا لا يَعني أنَّ العربيَّة الأدبيَّة قد تَحوَّلت هكذا إلى تَنوُّع يُستَعمَل تِلقائيًّا وعفويًّا “ ، إذ يبقى استِعمالُها مَحصورًا في النِّطاق الرَّسميّ » .
يَرى بَعضُ اللِّسانيُّين أنَّ السجلَّين (العربيَّة المُعاصِرة والعاميَّات) لا يَقوم أحدُهما مَقامَ الآخر. هذا بِالضَّبط ما يَذهب إليه الباحث رمضان آيت أومزيان إذ يَقول:
« تَكمُن أهمُّ ميزة مِن السِّمات الاجتِماعيَّة الثَّقافيَّة الّتي تَختصُّ بِها مُختَلفُ الجَماعات العربيَّة، على المٌستوى اللُّغويّ، في تَعايُش نِظاميْن لُغويَّين مُتباينيْن عُمومًا ولا يَقوم أحدُهما مَقامَ الآخر: حيث يلْجاُ المُتحدِّثون، وِفقَ حالات التَّواصُل، إمَّا إلى العربيَّة المُعاصِرة »المُشتركة» ـ لُغة الكتُب المَدرسيَّة وَوسائل الإعلام ـ أو إلى اللَّهجة المَحليَّة.
هذه الحالة مِن الثُّنائيَّة اللُّغويَّة [ diglossie ] هي اليومَ سائدةٌ، بِكلِّ وُضوحٍ، في الجزائر مَثلاً حيث لا تُحدِث العربيَّة «المُشتَركة» في العُموم على اللَّهجات المُستَعمَلة في الواقِع يَوميًّا إلاَّ تَأثيرًا ضئيلاً. وهذا حتَّى لَدى المُتحدِّثين النَّشء المُتمدرسين والمُتعلِّمين لِلُّغة العربيَّة الفُصحى » .
2.2.3 مثال عن تحليل المعلِّم للغة الفرنسيّة على ضوء اللّسانيات:
اللّغة الفرنسيّة لها تقاليد الاستعمال في الجزائر باعتبارها لغة ثانية إلى درجة أنّ تعليمها كان دائمًا يشكِّل رهانًا تضطلع به مختلف السياسات التعليميّة والتربويّة المتعاقبة على عمر الدولة الجزائريّة .
ما يهمّنا في هذا المقام من تلك اللّغة الثانية هو تواجدها في الجزائر إلى جانب أنماط أخرى من الاستعمالات اللّغويّة واللّهجيّة بحيث أصبح لا يليق بمعلّميها غظّ الطرف عن تموقع وتنوّع المتعلّمين الذين يحضّر لأجلهم دروسًا ويتحدّث إليهم بها طيلة حصته التعليميّة ويقوم في حضرتهم بوصف نظام تابع إلى أسرة لغويّة هي غير الأسرة اللّغويّة التي تنتمي إليها العربيّة، ويكلّفهم بتطبيقات ينجزونها تفسح لهم مجالاً لاستعمالها أو التفكير في إحدى مسائلها، أو بالعكس من ذلك تُنجَز في ظروفٍ (بيئة) لا توفِّر الجوَّ السليم لتمثّل ذلك النظام؛ ثمّ تعرض عليه للمناقشة والتصحيح والتصويب، ولغته هو ـ حسب حالته النفسيّة أحيانًا ـ قد تتداخل فيها البنى العربيّة وتنفلِت من لسانه ألفاظٌ من الدّارج العامي: كلّ هذه الأنشطة التعليميّة والبيداغوجيّة وغيرها لا يمكن أن تحدث بنفس الطرق التي يعرفها زميله في فرنسا مثلاً، لسبب بسيط هو اختلاف المتعلّم الذي يفد من وسط اجتماعيّ مغاير، لكن تبقى النظريات اللّسانية ومناهج الوصف اللّسانيّ الموضوعة هنا وهناك والمطوّرة من قبل اللّسانيّين في المقام الأوّل يمكن أن تعبّئ المعلّمين في الجزائر بنفس الحكمة والتبصّر، قد لا يسلم تطبيقُها في المدرسة الجزائريّة من العيوب، فالتسلّح بالنظريات اللّسانيّة لا يضير أبدًا إنّما يُتيح عدّة اختيارات، لا يُجانب الحقَّ من وجدناه يضع تلك المناهج في خدمته.
تقدِّم اللّسانيات التداوليّة التي أصبحت ميدانَ أسئلةٍ جديدة تفسيراتٍ لبعض الوحدات اللّغويّة بمراعاة السياق الذي تستعمل فيه وباعتبار المقامات التي يُنتَج فيها الخطاب.
فتحليل وحدة (Maintenant) [ الآن ] في اللّغة الفرنسيّة باعتبارها مُحدِّدة للمقولة الزّمنية تسمح بتناول أوجه الإبهام الّذي سرعان ما يضمحلّ عند ذلك التّحديد. فهي قد تدلّ على الزّمان الواقع خارج اللّغة فتكون له قيمة ” في الحال أو حالاً “، كما أنّها جديرة بأن تأخذ مقام القيمة: ” بما أنّ “ .
3.2.3 الصراع اللّغويّ في الجزائر ودور التوعية:
من أجل تجنيد كلّ الطاقات وتحريك المؤسّسات للنهوض برسالة التوعية إن لم تشفي غليل المعرفة، فحسبها فضلاً أنّها تعمد إلى فتح النقاش ورفع حرارته؛ وهم على الأقلّ يتفقّدون المعلومات الآنية والتاريخيّة التي تثقل كاهلَ الكتب ورفوفَ المكتبات.
لا رَدَّ لحتميّةٍ فرضَت نفسَها هنا إذ نسوق هذا الكلام ، حيث يستوجِب علينا التنويه بفضل " كتابٍ " ظهر مؤخَّرًا في الجزائر هو عبارة عن سلسلة إصدارات تحمِل عنوانًا طموحًا: Réflexions يشرِف عليها الباحِث مصطفى ماضي المختصّ في علم الاجتماع والمهتمّ بقضايا التعريب في الجزائر؛ يتكفّل الكتابُ بنشر مقالاتٍ طروحاتُها قريبة بعضها من بعض، بدءًا بما تُعنَى به من الصراع اللّغويّ وقضايا التعريب في الجزائر على وجه الخصوص؛ وهو بمثابة ملتقًى لمثقّفين وجماعيّين جزائريّين في المقام الأوّل تتفاوت اختصاصاتُهم بين علم الاجتماع والأدب وعلم النفس واللّسانيات..الخ، يغلب على منشوراتهم تقديرُهم للمناخ الثقافي واللّغوي والاجتماعي الجزائريّ، وتندرج ضمن الهدف المحوريّ الذي سطّرته السلسلة لنفسها وهو فتح إحدى قنوات التواصل بين المجتمع الذي تتوالى عليه الأزمات والمثقّفين الذين يبدو أنّهم لا يضطلعون بدورهم ولو في اختصار المسافات المؤدية إلى ملامسة تلك المشكلات الاجتماعيّة وبأهمِّ أبعادها التي كان من المنتظَر أن يحتضنوها وتحظى باهتمامهم، لكنه يظلّ دورًا لا يقلّ أهميّة.
نشير منذ اللّحظة إلى العدد المنشور الذي يحمل في واجهته: " Elites & questions identitaire "، الذي طُرحت فيه مشكلات مردُّها إلى عدم الحسم في القضايا اللّغويّة وتلك المتعلِّقة بالهويّة الثقافيّة والوطنيّة الجزائريّة، ويُبدي كيف أنّ النقاش الذي قد يؤدّي إلى ذلك الحسم قد تعطّل منذ حقبٍ راسخة في التاريخ الجزائريّ ومنذ القِدم ولا يزال يُؤجّل: وَرَدَ هذا التشخيص حقًا في ثنايا البحث الذي تقدّم به مصطفي ماضي الذي وجدناه يُطلِقه انطلاقًا من الصفحة الأولى من مقاله (المقدِّمة) وبدون تردّد ولا تستّر . كما عني هذا العدد بمسائل تمسّ وظيفة النّخبة أو بالأحرى توظيفها المعلَن أو المتماهي؛ والنخبة المثقّفة كناقل الأفكار هي أيضًا تتميّز حسب اللّغة التي تسخِّرها أداةً لنشر تلك الأفكار: ألم تَعتَدْ جماعة مِن المصنِّفين تصنيف المثقَّفين في الجزائر إلى ” متفرنسين (فرانكفونيين) ومعرَّبين “ وفقَ معيار اللّغة بالدرجة الأولى ؟ وهو معيارٌ أصبح تليدًا لا يليق الاستمرارُ في الإخلاص له لأنّه ببساطة لا يعكس الحقيقة بجميع مظاهِرها، ويجب إعادة النظر فيه وفحصه من جديد على حدّ عبارة مصطفى حدّاب .


الإرسال الأوّل: المُحاضرة رقم 2


موضوع المُحاضرة: نظريات التعلّم
من السلوكيّة إلى التعاونيّة

خُطّة المُحاضرة وعناصِرها:
مقدّمة
1. النّظريات الكلاسيكيّة
1.1 النّظريّة السلوكيّة
1.1.1 طبيعة النظرية الإجرائية ومفاهيمها
2.1.1 بعض المبادئ من النظرية الإجرائية
3.1.1 النظريّة السلوكيّة والتربية
2.1 التوجه الإشراطي :
1.2.1 التعلم الإشراطي الكلاسيكي
2.2.1 التعلم الإشراطي الأداتي
3.2.1 الإشراط الفاعل
3.1 النظريّة الجشطلتية
1.3.1 المفاهيم الجشطلتية
2.3.1 التعلّم والنظرية الجشطلتية:
3.3.1 مبادئ التعلم في النظرية الجشطلتية
4.3.1 النظرية الجشطلتية والتربية
4.1 النّظريّة البنائيّة
1.4.1 الأصول والمفاهيم المرتبِطة بنظرية التّعلم البنائية
2.4.1 المنظور المعرفيّ وحلّ المشكلات
2. النّظريات الحديثة
1.2 نظريّة التعلّم المباشر
1.1.2 مفاهيم عامّة
2.1.2 الفاعليّة وملامحها
2.2 نظريّة التعلّم التعاونيّ
1.2.2 ملخّص النظريّة
2.2.2 أهداف نظريّة التعلّم التعاونيّ
1.2.2.2 التّحصيل الدّراسيّ
2.2.2.2 تقبّل التنوّع
3.2.2.2 تنميّة المهارة الاجتماعيّة
خاتمة
3. تطبيقات
1.3 المدرسة الجزائريّة والتعثّر المدرسيّ
2.3 الرقيّ بتعليميّة اللّغات نحو النظريّة البائيّة
2.3 فرضيّة:
ـ انخراط في جمعياتٍ طلاّبيّة وانخفاضٌ في المستوى الدراسيّ ـ
3.3 الهوة بين النظريّ والتطبيقي


المصدر : منتديات المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
khaled


مؤسس و مدير المنتدى
مؤسس و مدير المنتدى


الجنس الجنس: ذكر
المستوى الدراسي المستوى الدراسي: طالب جامعي
هوايتي: المطالعة والرياضة
مسآهمآتے مسآهمآتے: 7294
التقييم التقييم: 244
الأوســـمــــة

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران    الخميس 30 أغسطس 2012 - 2:29


مقدّمة
تسعى نظريات التعلّم إلى معرفة آليات التعلم وشروطه المتنوعة، وتعمل كلُّ نظريّة على تحديد الأولويات والأجدر بالاهتمام: هل هو المعلّم أم المتعلِّم ؟ إذا كان هذا الأخير هو الأولى بالعناية سيبقى السؤالُ مطروحًا لمعرفة: هل يركّز على سلوكه أم سينصبّ انشغال المعلِّم على بناء معارفه ؟ وهل يوجد طريقة نموذجيّة في التعليم ؟ علامَ تقوم هذه الطريقة في حال وجودها ؟ ماذا ينبغي التوفّر عليه لإحداثها واستحداثها ؟ كيف يمكِن تصحيح مسار أيّ طريقة إذا اكتُشفت نقائصُها لاحِقًا ؟ هل بإمكانها إمداد القائمين على التّعليم بحلولٍ جذريّة لتلك المشكلات التي تعترض طريقَهم ومن سيهتمّ بتوصيل رسالة المنظِّرين إلى أولئك القائمين ؟
أن يُحفّ التعلّم والتعليم بنظرياتٍ لهو أمرٌ ضروريٌّ يستدعيه منطِقُ وضع البيانات الموضوعيّة والمراقبة والمتابعة، ليس فقط بالنسبة للمدرس، وإنما أيضا، وبنفس الدرجة من الأهمية، بالنسبة لمعِدِّي المناهج التعليميّة وواضعيها. ويشكِّل ذلك إشارة أولى إلى رغبة إنجاح عمليّة التعليم. وتتأثّر نظريات التعلّم بمجمل المعطيات العلمية التي وفّرتها، إلى الآن، مجموعة متنوعة من الدراسات والأبحاث السيكولوجية، على الخصوص، والتي استطاعت أن تفهم وتفسر العديد من الآليات المختلفة التي تتدخل، بهذا القدر أو ذاك، في حدوث التعلّم.
بدون هذه المعرفة المعمَّقة، يمكن أن تصبح عمليّة التعليم ضربا من التعسف، المُضِرّ بالمتعلم حتى وإن سلمت النوايا، وأخلصت السرائر. فنحن أمام كائن حي، طفلا كان أو مراهقا، نجبره على الجلوس أمامنا لـمدة زمنية محددة، ونلزمه بالانتباه والمتابعة والمثابرة، وتقبل تأثيرنا بالطريقة التي نرى أنها ملائمة له، وسيكون ذلك من قبيل التعنيف الرمزي، إذا لم نكن مستندين، في ذلك كله، إلى تصورات واضحة حول السيرورات التعليمية التي يستخدمها ويوظفها المتعلم في مثل هذه الوضعيات.
لقد أفرزت الاتجاهات النظريّة في اكتساب اللّغة اتّجاهين قويّين، يتمثّل أحدُهما قي القول بوجود جوانب فطريّة في تعلّم اللّغة، في حين يؤكِّد الآخرُ على النموّ الإدراكي والمعرفي من أجل تحقّق هذا الاكتساب. هكذا، وفي إطار الاتجاه الثاني؛ اعتبر جليتمان ووانر أنّ الأطفال يولدون وكأنّهم مزوّدين بقدرات إدراكيّة لتعلّم اللّغة؛ كما أظهرت لوي بلوم أنّ تفسير النموّ اللّغويّ يعتمد أساسًا على تفسير الأسس المعرفيّة للّغة؛ أمّا بياجي فقد اعتبر أنّ ما يتعلّمه الأطفالُ عن اللّغة هو ما يعرفونه عن العالم كما سنراه أسفله .
ثمّة عدّة تقسيمات لنظريات التعلّم عمومًا، كأن تُقسَّم بشكل عام إلى اتّجاهين أساسيّين:
النظريات الترابطية (Associationnistes): وهي ترى أن عملية التعلم تتلخص في تقوية الروابط بين المثيرات والاستجابات، وتشمل الرّوافد الآتية:
1. التعلم الشرطي
2. التعلم الشرطي الوسيلي
3. التعلم بالمحاولة والخطأ
النظريّة الجشطلتية: وهي ترى أن عملية التعلم عملية فهم وتبصير واستبصار قبل كل شيء، وأثارت أوجهًا كثيرة من الجدل تجاه الاتّجاه الأوّل كشفت عن العديد من نقائصه.
من غير أن نضرب عرض الحائط هذا التقسيم نتبنّى في عرضنا هذا تقسيمًا هو مدينٌ للسّابق بعضَ الشيء، استوحيناه من مجمل قراءاتنا حول الموضوع، هو الآتي:
1. النّظريات الكلاسيكيّة:
النّعت (الكلاسيكيّة) هنا، لا يشير بتاتا إلى أن الأمر يتعلق بنظريات قديمة، بل إنه يروم الإشارة إلى مجمل النظريات السيكولوجية المعروفة، التي تميزت بمعالجة مفهوم التعلم، في سياقات عامة، أي في كونه ظاهرة تحدث في إطار ليس بالضرورة هذا الإطار المدرسي، وتخضع بالتالي إلى قوانين وقواعد متصلة بشكل وثيق، بالعلاقة القائمة بين الذات المتعلمة Sujet apprenant وموضوع التعلم Objet d’apprentissage.
والأمر يتعلق هنا، بمجمل النظريات السلوكية والنظريات المعرفية التقليديّة (النظرية الجشتالتية مثلا)، وحتى بالنظريات البنائية Constructivisme في منحاها البياجياني ” نسبة إلى جان بياجي “.
1.1 النظريّة السلوكيّة:
النّظريّة السلوكيّة وليدة المدرسة السلوكيّة التي من أشهر مؤسِّسيها الأمريكيّ واطسون John Broadus Watson (1878 ـ 1958) الذي يجدر بنا ألاّ نُهمل مظاهر أخرى من اهتماماته الرئيسيّة بعلم النفس التجريبيّ والمقارِن، وكان ذلك في مطلع القرن العشرين وبالتّحديد (1912) بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، وجُعِلت في صيغتها اللّغويّة المحكَمة في سنة 1924، وهي مدرسة تنظر إلى الإنسان على أنّه آلة ميكا***يّة مركّبة معقّدة رغم التصوّر الوظيفيّ الذي أدخلته على أحد جذورها (التعلّم الإشراطي الكلاسيكي Ivan Petrovich Pavlov). إذا ما اعتبرنا إسهام هذه المدرسة في ميدان علم النفس فسنجده ماثلاً في تحديدها الصّارم لموضوع هذا الأخير وهو المتمثِّل حسبها في السلوك الحركيّ الصريح لكلٍّ من الإنسان وحتّى الحيوان، ذلك باعتبار السلوك استجابة للمحيط أو المثير، فلا بدّ أن تقتصر الدراسة على ذلك فحسب؛ ومنهجها في ذلك وفي صورته العامّة يقوم على الملاحظة الموضوعيّة البحتة أي دون الإحالة إلى ما ينبئ به الفردُ من حالاتٍ شعوريّة أثناء وضعه تحت مجهر الملاحظة أو إجراء التجارب عليه، لهذا فهي ترفض رفضًا باتًّا اصطناع منهج التأمّل الذاتيّ الاستبطانيّ الذي كان سائدًا قبلها. فضلاً عن ذلك تنفرد هذه المدرسة بنظريّة تنكر من خلالها وجود قدراتٍ واستعداداتٍ فطريّة، وتنفي وجود غرائز موروثة وذكاء موروث، فالذكاء مجموعة معقّدة من عادات يكتسبها الفرد بالممارسة والتدريب أثناء نموّه وفي حياته كلّها. وفي هذا الشأن يؤثر عن واطسون قولُه:
« أعطوني عشرة من أطفال أصحاء أسوياء التكوين، فسأختار أحدهم جزافًا ثمّ أدرّبه فأصنع منه ما أريد: طبيبًا أو فنانًا أو عالمًا أو تاجرًا أو لصًا، أو متسوّلاً، ذلك بغضّ النظر عن ميوله ومواهبه وسلالة أسلافه » .
لذا نجد هذه المدرسة تهتمّ إلى حدٍّ كبير بدراسة عمليّة التعلّم، فموضوع العادات وتكوينها هو المحور الرئيسيّ لعلم النفس عندها.
نستنتج من خلال ما سبق عرضه أنّ مِن مرتكزات نظريّة التعلّم السلوكيّة ما يأتي:
1. التركيز حول مفهوم السلوك من خلال علاقته بعلم النفس.
2. الاعتماد على الاختبار والملاحظة وعلى القياس التجريبي لمراقبة ذلك السلوك.
3. عدم الاهتمام بما هو تجريدي غير قابل للملاحظة والقياس.
4. التعلم بالتقليد (المحاكاة).
لكنّه بعد المدرسة التي تزعّمها واطسون، ظهرت السلوكيّة الجديدة بزعامة سكينر (1904 ـ 1990) Buhrrus Frederic Skinner أحد المطوِّرين للتعليم المبرمَج القائم على المتابعة والتدرّج والتحفيز، وهي التي جعلت لموضوع التعلّم وتكوين العادات مركز الصّدارة من بحوثها وأعرضت عن تعاليم واطسون المتطرّفة وعن التفسير الآلي للسّلوك، كما كانت ترى إمكان دراسة الحالات الشعوريّة عن طريق التقرير اللّفظيّ الذي يصف به المستبطن هذه الحالات، لكنّها لا تحلّل هذه الحالات، بل تهتمّ بدراسة السلوك الظاهريّ الموضوعيّ وحده، أي ما يفعله وما يقوله الكائن الإنسانيّ في ظروف معيّنة. وسعى سكينر من جانب آخر إلى تطبيق المبادئ السلوكيّة على المشكلات العمليّة العامّة التي تجابه الإنسان في حياته اليوميّة، لهذا وسمت أعماله وأعمال غيره من الزملاء العاملين في ميدان علم النفس بالعلاج السلوكيّ توِّجت بنظريّة سميت بالنظريّة الإجرائيّة.
1.1.1 طبيعة النظرية الإجرائية (السلوكيّة) ومفاهيمها:
1. يعرف سكينر (Skinner) السلوك بأنه مجموعة استجابات ناتجة عن مثيرات المحيط الخارجي. وهو إمّا أن يتمّ دعمُه وتعزيزه فيتقوى حدوثه في المستقبل أو لا يتلقّى دعمًا فيقل احتمال حدوثه في المستقبل.
2. تغير السلوك هو نتيجةٌ واستجابةٌ لمثير خارجي.
3. التعلّم هو عمليّة تغير شبه دائم في سلوك الفرد.
2.1.1 بعض المبادئ من النظرية الإجرائية:
1. التعلم ينتج من تجارب المتعلم وتغيرات استجابته.
2. التعلّم مرتبط بالنتائج.
3. التعلّم يرتبط بالسلوك الإجرائي الذي نريد بناءه.
4. التعلّم يُبنى بدعم وتعزيز الأداءات القريبة من السلوك.
5. التعلّم المقترن بالعقاب هو تعلم سلبي.
3.1.1 النظريّة السلوكيّة والتربية:
1. تتجلّى لنا هذه العلاقة على مستوى أعمال ثورندايك عالِم النفس الأمريكي (1874 ـ 1949) Edward Lee Thorndike وهو المعروف بوضعه تصوّراتٍ منظِّمة لاختبارات الذكاء والكفاءات الذهنيّة، واشتهر أيضًا ببَلورته لنظريّة الارتباط المنصبّة على التعليم بواسطة المحاولة والخطأ والتي طبّقها من أجل تطوير تقنياتٍ خاصّة بالتّعليم وتحسين طرق استعمال قاعة القسم المدرسيّة وتنظيمها وتكييفها وتجهيزها لمتطلّبات التعليم؛ بيدَ أنّه ندّد بالاعتقاد السائد والقائل إنّ تعليم مادتيّ اللّغة والرياضيات (الحساب) في الأقسام المدرسيّة في مراحلها المبتكرة هو الوحيد الظّهير الذي يكفل التكوين المَتين ويضمن الاستمرار في التحصيل، وأبدى تحفّظًا شديدًا إزاءَ هذا المعتقَد السائد بل كافحه، ورأى ضرورة الإسراع بإصلاحات تشمل المنظومات التربويّة تقوم على إدراج الفيزياء وموادّ أخرى هي من صميم العلوم الاجتماعيّة، وذلك حتى في الأقسام الابتدائيّة وعند التوجّه إلى المبتدئين.
صحيحٌ أنّه أقام تجاربه في الغالِب على الحيوانات لكنّه وسّع رقعة تطبيقاتها فشملت قاعات التدريس، وهو الشيء الذي أتاح له إمكانية صياغة ما عُرِف بقانون الأثر الذي مفاده أنّ تلقّي التحسينات والمكافآت بصفة عامة يدعِّم السلوك ويثبته، في حين أن العقاب يُنقص من الاستجابة ويُضعِفها، وبالتالي يقلِّل من حظوظ تدعيم السلوك وتثبيته. كما أنّ المحاولة والخطأ كمبدأ تعليميّ ذو أهمية كبيرة لكونه يعكس ـ منذ تلك الفترة التي صُمِّم فيها ـ الإرادةَ في تركيز الاهتمام على المتعلِّم مع تأطير أفعاله ومتابعتها، وهي الإرادة التي أخذت مؤخّرًا تتجسّد في الواقع التعليمي مع ما شرعنا نَعرفه تحت تسمية (المقاربة بالكفاءات)؛ ليست هذه المقاربة وليدة الساعة، بل هي نتيجة تراكم النداءات الموجَّهة نحو أسرة التعليم من أجل إعادة الاعتبار للمتعلِّم وتوفير له جوّ التعلّم باعتماد الذات والانتفاع من الأخطاء المرتكبة عوض من التشذيب والتذنيب المخلِّفة لعُقَدٍ نفسيّةٍ مؤثِّرةٍ على حياة الفرد بكاملها.
2. إنّ أفكار سكينر وأطروحاته، قد أحدثت عدة تغييرات في التفكير التربويّ والبيداغوجي بصفة عامة. فسكينر يعتبر مثلا أن الطفل في علم التربية بنظريّاته الكلاسيكيّة كان يتعلم لينجو من العقاب فحسب، مع غياب كل أشكال الدعم والتحفيز الإيجابيّين. فكان يتأسّف من مثل هذه الطّريقة التّضليليّة. لهذا ألفيناه يفكِّر في طريقة مغايرة، فرأى أن يسند إلى المضمون المعرفي أربعة أدوارٍ هامّة:
المضمون المعرفي:
1. محدِّد الإثارة، أي كل مضمون معرفي يقدم للتلميذ لابد أن تتوفر فيه شروط قادرة على إثارة الاهتمام والميول والحوافز.
2. محدِّد العرض النسقي للمادة، ومعناه تفكيك وتقسيم المادة وفق وقائع ومعطيات، مع ضبط العلاقات بين مكوناتها, ثم تقديمها وفق تسلسل متدرّج ومتكامل.
3. محدِّد التناسب والتكيف، أي أنّ المادّة المقدمة للتلميذ يجب أن تتناسب و مستوى نموه من جميع النواحي.
4. محدِّد التعزيز الفوريّ، أي كلما تمّ تعزيز الاستجابات الإجرائية الإيجابية عند المتعلم كلما وقع التعلم بسرعة أكبر.
فهكذا يظهر من خلال المبادئ العامّة التي فسّر بها سكينر ظاهرة التعلّم بما فيها السلوك اللّغويّ الذي وضّحه من خلال كتابه (السلوك اللّفظيّ) أنّ الطفلَ يكتسب لغة الأمّ ـ وفقَ تلك المبادئ ـ إذ يُحدث أصواتًا عشوائيّة يطلق عليها اسم المناغاة تصدر عنه دون تنبيه معيّن


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
khaled


مؤسس و مدير المنتدى
مؤسس و مدير المنتدى


الجنس الجنس: ذكر
المستوى الدراسي المستوى الدراسي: طالب جامعي
هوايتي: المطالعة والرياضة
مسآهمآتے مسآهمآتے: 7294
التقييم التقييم: 244
الأوســـمــــة

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران    الخميس 30 أغسطس 2012 - 2:29


مثيرٍ يستدعيها، ويقدِّم الأبوان عادةً التعزيزَ على شكل ابتسامة موجَّهة للطفل أو مداعبته واحتضانه، كما يقومان بتقليد الأصوات التي ينطقها أحينًا، وهذا التصرّف مظهر من مظاهر التعزيز أيضًا، يشجِّعه على المضي في إصدار الأصوات التي هي المواد الأوّلية التي تتشكِّل منها اللّغة، وهكذا وبالتدرّج تزداد الأصواتُ التي ينتجها الطفلُ قربًا من أصوات الراشدين كلّما استطاع الحصول على ما يرغب فيه من طعامٍ وغيره.
ولم تقتصر مبادئ النظريّة الإجرائية على تفسير عمليّة اكتساب لغة الأمّ من قبل الطفل، بل انتقلت إلى طرائق تعليم اللّغة إذ اعتبرت هذه الأخيرة شكلاً من أشكال السلوك اللّفظيّ، يتمّ عن طريق سلاسل من الاستجابات التي يتدرّب المتعلِّمُ عليها، تُرسَّخ وتصبح عادة.
2.1 التوجه الإشراطي:
نشير إلى أنّ هذا المبحث تشدّه علاقة وطيدة بما عُرِض في عناصر المبحث السابق، نقول هذا الكلامَ لنبرِّر ما يُلاحظ فيه من تكرارٍ لأسماء ورد ذِكرُها آنفًا، مثل ثورندايك وسكينر، تأتي هنا تحت عناوين جديدة، بل هذا ما أدّى بنا إلى اعتباره توجّهًا مشتقًّا من السلوكية وليس منشقًّا عنها فهو بمثابة توسُّع في أفكار قرينه (مبحث: 1.1).
1.2.1 التعلّم الإشراطي الكلاسيكي :
تعود أصول هذه النظرية، كما يُجمع العام والخاص، إلى العالم الفيزيولوجي والطبيب الروسي الشهير إيفان بافلوف (1849 – 1936) Ivan Petrovich Pavlov الذّائع صيتُه بدراساته حول المنعكِس الشرطيّ، وواضع منهج الإشراط (Le conditionnement classique)، والذي عُنيَ كثيرًا ـ وإلى جانب اختصاصه بالفيزيولوجيا (علم وظائف أعضاء الجسم) والطب ـ بعلم النفس السلوكيّ (La psychologie comportementale) ، وأهمّ ما يهمّنا هنا أن ننوِّه به في شأن بافلوف هو كونه صاحِب التأثير الشّديد على العالم الأمريكي واطسون الرّائد في السلوكية (Béhaviourisme) كما قدّمناه آنفًا .
ملخَّص تجربته حول الكلب:
البداية: رؤية الطعام تاهلاإلى سيلان لعاب الكلب، أي إلى إبداء استجابة طبيعية أو غريزية.
فرضية التجربة: إذا قدم الطعام مقرونا بمثير محايد، صوت الجرس، لمدة متكررة، سينتهي الأمر بأن يسيل لعاب الكلب، كلما سمع صوت الجرس حتى لو غاب الطعام. وبالتالي سيصبح سيلان اللعاب استجابة إشراطية برزت بعد سماع صوت الجرس.
استخلاص قوانين:
بعد عملية الإشراط يمكن للاستجابة أن تظهر حتى في حالة تقديم مثير مشابه للمثير الشرطي (الجرس). يمكن استخلاص من هذه الظاهرة قانونًا يدعى قانون التعميم (Généralisation).
في حالة الكف عن تقديم المثير اللاإشراطي (الطعام) أو الطبيعي، والاقتصار على تقديم المثير الإشراطي (الجرس) فقط، سيتوقف سيلان اللعاب أو تنطفئ هذه الاستجابة جزئيا، غير أن ذلك لن يدوم طويلا. فبمجرد إعادة تجربة الإشراط فيما بعد، ستعود الاستجابة المتعلمة من جديد، وبكثافة أكبر. هذا يرجع إلى قانونٍ يسمّى قانون الانطفاء (Extinction).
يمكن محو الاستجابة الإشراطية عن طريق إعادة إشراط العضوية على التمييز أو التفريق، وذلك بواسطة تقديم مثيرات قريبة من المثير الإشراطي حتى تتمكن العضوية من إقامة التمييز. وهذا راجع إلى قانون التمييز (discrimination).
2.2.1 التعلم الإشراطي الأداتي:
الإشراط الأداتي (Instrumental)، هو نمطٌ ثان من الإشراط قام باكتشافه وبلورتِه الباحث الأمريكي ثورندايك Thorndike الذي أشرنا إليه أعلاه.
تتلخّص التجربة كما يلي:
وضع القط في قفص، جزء منه يمكن أن ينفتح بواسطة آلية معينة، وخارج القفص يوجد نوع من الطعام:
بداية، يقوم القط بحركات مضطربة.
صدفة يعثر القط على آلية الفتح.
لاحقا سيتمكن القط من الخروج من القفص بشكل أسرع، فينخفض عدد الأخطاء التي كان يقع فيها سابقا.
استخلاص القوانين:
سيتعزز الاقتران بين المثير والاستجابة عندما يتلوهما الحصول على الطعام، أي في حالة إشباع معينة. وبالعكس، ستضعف الاستجابات الخاطئة أو غير الملائمة. هذا ناجم عن (قانون الأثر Loi de l'effet). السلوكات الناجحة والـمؤدية إلى إشباع تحفز العضوية إلى إعادة إنتاجها في أوضاع مثيرة مماثلة.
كلما كانت الإثارة مؤذية للعضوية، فإن هذه الأخيرة ستتمكن من إيقافها أو القضاء عليها: عندما يوجد القط في قفص ساخن جدا، قد يقوم بمحاولة جديدة للخروج منه عن طريق الضغط على آلية الفتح: هذا يمثّل قانون (إشراط الإفلات Echappement).
الإثارة السلبية لا يتم الشعور بها إلاّ عندما تغيب الاستجابة: يوجد القط في القفص القابلة للكهربة، يسمع صوت الجرس أو أي شيءٍ آخر قبل وصول الكهرباء إلى القفص، يتعلّم القط إذن أن يتوقع قدوم الصدمة الكهربائية، فيضغط على دواسة لتنقطع: (قانون إشراط التفادي Evitement ) الذي يشغَّل عمومًا من أجل حماية النفس من الضرر المرتقَب وإعلان الموقِف المضاد والمعادي لكلّ ما يشكِّل خطرًا على الكيان.
يمكن القيام بترويض الحيوان على أداء سلسلة من الاستجابات المرتبة أي سلسلة من الأزواج مثير ـ استجابة. هذا يمثِّل (التعلم التسلسي).
3.2.1 الإشراط الفاعل:
ارتبط هذا المفهوم بنظرية الباحث الأمريكي سكينر الذي تناولناه سابقًا والتي تعتمد على تصوّر يقول إنّ سلوكات الأفراد ليست سلسلة منظمة ومنتظمة من التعزيزات التي يكونون قد خضعوا لها خلال حياتهم في محيط معيّن، بل وتعتبر تلك السلوكات التي يزاولها الأفرادُ الأداةَ (Instrument) التي يحصلون بها على تعويضات إيجابية.
التجربة :
صندوق سكينر: يترك الحيوان الجائع لأمره داخل الصندوق. يقوم الحيوان باستكشاف المكان، فيدوس فجأة على مكان ما، وسرعان ما يحصل على قطعة من اللحم: تصبح استجابة الدوس على مكان استجابة إشراطية (Conditionnée).
شروط إحداث الإشراط: وجود مثير إيجابي أو سلبي، الأول عبارة عن تعويض، والثاني عبارة عن نوع من العقاب لابد أن يتلو المثير المعزز الاستجابة المطلوبة.
اسخلاص القوانين:
يحدث الانطفاء عندما يحذف المعزز (Renforçateur)، لأنّ هذا الأخير ضروري لإقامة الإشراط و لدوامه.
من الصعب محو الاشراط بعد حدوثه، لأنه يصبح مرتبطا بعوامل معينة مثل الحاجات (Besoins) والحافزية.
الاسترداد التلقائي: بعد المحو المؤقت والاستجابة، ستظهر هذه الأخيرة، مرة أخرى، في الوضعية الإشراطية المماثلة.
بعد الإشراط تحدث عملية التعميم وبعدها عملية التمييز: الحمامة اشترطت على نقر أماكن ملونة بصورة متشابهة إلى حد ما، وبعد ذلك يتمّ محو المثيرات السلبية ودعم المثير الإيجابي، فتنتقل الحمامة باستجابتها من التعميم (كل الألوان) إلى التمييز (التّركيز على اللون المطلوب).
وفي خاتمة عرضنا للنّظريّة السلوكيّة بأهمّ أصولها ومظاهرها نشير إلى أنها كوّنت إطارًا علميًّا تجريبيًّا خصبًا للِسانيات القرن العشرين سيّما برافدها الأمريكيّ.
3.1 النّظريّة الجشطلتية:
ظهرت المدرسة الجشطلتية على يد الألماني ماكس فريتمر (1880 ـ 1943) Max Wertheimer والأمريكي ذي الأصل الألماني كورت كوفكا (1886 ـ 1941) Kurt Koffka والألماني فولفجانج كوهلر 1887 ـ 1967) Wolf Köhler.
هؤلاء العلماء المؤسِّسون رفضوا ما جاءت به المدرسة الميكانيكية الترابطية من أفكارٍ حول النفس الإنسانية وأبطلت كثيرًا من تفسيرات هذه الأخيرة لسلوك الفرد وندّدت بطرق دراسته. فقاموا بإحلال المدرسة الجشطلتية محلّ المدرسة الميكا***ية الترابطية، وجعلوا من مواضيع دراستهم: سيكولوجيا التفكير ومشاكل المعرفة. وأعلنت مبدأها الرئيس الذي استقرّت عليه وسارت وفقَه والمتمثِّل في ضرورة إعادة الاعتبار لأسبقيّة الكلّ على الأجزاء التي يتشكّل منها، ودعت إلى تقديره كاملَ التقدير لأنّه يستحيل فهم هذه الأخيرة خارج الدائرة التي يرسمها لها ذلك الكلّ، والكلّ المُعتبَر هو الذي تجري تلك الأجزاءُ في مجاريه.
1.3.1 المفاهيم الجشطلتية:
1. الجشطلت (Gestalt): هو أصل التسمية التي تبنّتها هذه المدرسة وانتسبت إليها، ويعني باللّغة الألمانية كلاًّ مترابطَ الأجزاء باتساق وانتظام، تُضفى عليه سمة الكل وتميزه عن مجموع أجزائه ، بحيث تكون الأجزاء المكونة له في ترابط دينامي فيما بينها من جهة، ومع الكل ذاته من جهة أخرى. فكل عنصر أو جزء من (الجشطلت) له مكانته ودوره ووظيفته التي تتطلبها طبيعة الكلّ، كما تدلّ الكلمة على معنى الشكل أو الصيغة الإجمالية (Configuration) لهذا سميت الجشطلتية بعلم النفس الشكلي.
2. البنية: تتكون من العناصر المرتبطة بقوانين داخلية، تحكمها ديناميا ووظيفيا.
3. الاستبصار: كل ما من شأنه اكتساب الفهم من حيث فهم كل الأبعاد ومعرفة الترابطات بين الأجزاء وضبطها.
4. التنظيم: تحدد سيكولوجيا التعلم الجشطلتية القاعدة التنظيمية لموضوع التعلم التي تتحكم في البنية.
5. إعادة التنظيم: ينبني التعلم على إعادة الهيكلة والتنظيم ويسير نحو تجاوز أشكال الغموض والتناقضات ليحل محلها الاستبصار والفهم الحقيقي.
6. الانتقال: تعميم التعلم على مواقف مشابهة في البنية الأصلية ومختلفة في أشكال التمظهر.
7. الدافعية الأصلية: تعزيز التعلم ينبغي أن يكون نابعا من الداخل.
8. الفهم والمعنى: يتحقق التعلم عند تحقق الفهم الذي هو مكشف استبصاري لمعنى الجشطلت، أي كشف جميع العلاقات المرتبطة بالموضوع، والانتقال من الغموض إلى الوضوح.
2.3.1 التعلّم والنظرية الجشطلتية:
نظرة المدرسة الجشطلتية للتعلم تختلف عن نظرة السلوكية، فإذا كانت هذه الأخيرة، وكما سبق ذكره تربط التعلّم بالمحاولة والخطأ والتجربة، فالمنظِّرون للنظرية الجشطلتية يعتبرون أن التجارب على الحيوانات لا يمكن تطبيقها على الإنسان، و في هذا الصدد يرى كوفكا أنّه في المقام الأول يعني أنّ لا شيء جديدا يمكن أن يتعلم، كلّ ما في الأمر هو العمل على استبعاد بعض هذه الاستجابات، وتثبيت ما بقي منها، ولكن ليس لهذا السلوك أيّ غرض واضحٍ أو اتجاه بيّن، وعلى الحيوان أن يحاول عبثا، إذ ليس له أدنى فكرة عن السّبب الذي من أجله يتحول سلوكه، إنها الحيوانات تتعلم بطريقة عمياء.
وهكذا دون ذكر كافة انتقادات الجشطلتيين للسلوكيين، فالتعلم حسب وجهة نظر الجشطلتيين يرتبط بإدراك الكائن لذاته ولموقف التعلم، فهم يرون التعليم النموذجي يكون بالإدراك والانتقال من الغموض إلى الوضوح. فكوفكا يرى أن الطفل يكون له سلوك غير منظم تنظيما كافيا، وأن البيئة والمجتمع هما اللّذان يضمنان لهذا السلوك التنظيم المتوخى.
إنّ العلماء الجشطلتيين يرون أن كلَّ تعلم تحليلي ينبني على الإدراك، وهو أيضا فعل شيء جديد، بالإضافة لإمكانية التكيّف ومواقف تعليمية جديدة؛ الشيء الذي يسهل بقاءه في الذاكرة لزمن طويل. والشعور كما يرى العلماء لا ينفصل عن الواقع مهما ذهب في الذاتية.
3.3.1 مبادئ التعلم في النظرية الجشطلتية
نورد بعجالة مبادئ التعلّم حسب وجهة نظر الجشطلت:
1. الاستبصار شرط للتعلم الحقيقي.
2. إن الفهم وتحقيق الاستبصار يفترض إعادة البنينة.
3. التعلم يقترن بالنتائج.
4. الانتقال شرط التعلم الحقيقي.
5. الحفظ والتطبيق الآلي للمعارف تعلم سلبي.
6. الاستبصار حافز قوي, و التعزيز الخارجي عامل سلبي.
7. الاستبصار تفاعل ايجابي مع موضوع التعلم.
4.3.1 النظرية الجشطلتية والتربية:
1. ساهمت نظرية التعلم في تغيير وتطوير السياسات التعليمية والتربوية في عدة دول، ذلك في النصف الأول من القرن العشرين. تتحكّكم بيداغوجيا الجشطلت من مبدأ الكل قبل الجزء، الشيء الذي يعني إعادة التنظيم والعناية أكثر بالبنية الداخليّة لموضوع التعلم.
2. لقد استفادت التعليميات عمومًا من النظرية الجشطلتية، فأصبح التعليم يبدأ من تقديم الموضوع شموليا، فجزئيا وفق مسطرة الانتقال من الكلّ إلى الجزء، دون الإخلال بالبنية الداخلية، وفي نفس الوقت بتحقيق الاستبصار على كل جزء على حدة.
3. وهكذا فنظرية الجشطلت ساهمت إلى حدٍّ كبير في صياغة علم النفس المعرفيّ، وبالخصوص علم النفس المعني بحل المشكلات.
4.1 نظرية التعلم البنائية:
نظرية التعلم البنائيّة ـ والتي رائدها عالم النفس السويسري جان بياجي )1896ـ1980( Jean Piaget الذي اشتهر بأعماله الثوريّة حول نموّ الذكاء لدى الطّفل، أسّس مدرسة علميّة في مجال دراسة تطوّر الطفل العقليّ، وقد أمكن الاستفادة من نظريّته على نطاقٍ واسِعٍ في تربيّة الأطفال، كما كان لآرائه أثرٌ كبيرٌ في إعداد مناهج التعليم في المرحلة الابتدائيّة تعتمد على الرسم البياني والصور والأشياء المحسوسة. لقد حاز بياجي على جائزة علم النفس الأمريكي عام 1969.
1.4.1 الأصول والمفاهيم المرتبِطة بنظرية التّعلم البنائية:
1. انصبّ اهتمامُ بياجي بالابستيمولوجية التي تنظر في أسُس العلوم النّظريّة وانعكاساتها الفكريّة والثّقافيّة والاجتماعيّة والتاريخيّة المختلفة، فتكوَّن في البيولوجيا، وعُني بعلمُ النفس وعلوم التربيّة المختلفة وكرّس عملَه لنظريّات التعلّم وبالبيداغوجيا. كما اشتهر بياجي بواسطة رأيه عن مراحِل التطوّر الذهنيّ.
2. النظرية البنائيّة مختلفة عن نظريات التعلم الأخرى مِن جوانبَ عديدة. فبياجي يرى مثلاً أنّه يتمّ اكتساب العادات وتعلّمها عن طريق المنبع الخارجيّ المؤثِّر في الإدراك. ولمّا كان الفردُ وليد بيئته و جزءًا منه أضحت دراسته لا يمكن أن تتمّ معزولةً عن محيطه ككلٍّ مركّب، كما يعجز المرء القيام بها دون الأخذ بعين الاعتبار العلاقات الرابطة بينها. لهذا كان البعضُ يطلِق في العربية على هذه النظرية البنائيّة (Constructivisme) تسمية (البنويّة) Structuralisme التي لا يُنكَر فضلُها على آراء بياجي بل قيل إنّه بنويّ بمفهوم (Structuraliste) كما له كتابٌ في هذا الشأن .
3. التعلّم حسب بياجي عمليّة إبداع لبنى معرفيّة جديدة، وكلُّ بنية تنمو انطلاقًا مِن بنية سابقة بطريقة جدليّة.
4. المعرفة مرتبطة دومًا بالفعل والممارسة، فالفعل يؤدّي إلى التعلّم وهو أداة الكشف والبناء، والوسيلة للتغيير والتصحيح.
5. اعتبر بياجي أنّ ما يتعلّمه الأطفالُ عن اللّغة هو ما يعرفونه عن العالَم.
6. يجري التركيز في الطريقة التعليميّة المستوحاة من هذه النظريّة على المفاهيم، وربط المادّة المتعلِّمة بالقاعدة المعرفيّة لدى الطفل .
7. مفهوم التكيّف: ويعتبر غاية التطور الإنمائي، وهو أيضا عمليّة التوازن بين المحيط والجهاز العضوي والعمليات العقليّة. كما يهدف إلى القضاء على حالات الاضطراب واللاّ انتظام بواسطة التمثّل.
8. مفهوم الاستيعاب والتلاؤم: هو مفهوم أخده بياجي من البيولوجيا. فالاستيعاب هو أن تتم عملية دمج المعارف والمهارات ضمن النسيج المعرفي حتّى تصبح عادة مألوفة. والتلاؤم أو المواءمة هو عملية التغيّر والتبنّي الهادفة للحصول على التطابق بين المواقف الذاتية مع مواقف الوسط والبيئة.
2.4.1 المنظور المعرفيّ وحلّ المشكلات:
غنيٌّ عن التبيين أنّ المنظور المعرفيّ البنائيّ الذي يقوم عليه التّعليم المستند إلى حلّ المشكلات يقتبس بكثافة من بياجي، ويذهب إلى أنّ المتعلِّمين في أيّ سنّ يندمجون اندماجًا نشطًا في عمليّة اكتساب المعلومات وفي بناء معرفتهم.
ولا تبقى المعرفة سكونية، ولكنّها بدلاً من ذلك تتطوّر على نحوٍ مستمرٍّ وتتغيّر مع مواجهة المتعلِّمين تجبرهم بخبرات جديدة على أن يبنوا على المعرفة السابقة ويعدّلوها، وبعبارة أخرى فإنّ التربية ينبغي أن تتضمّن تعريض الطفل لمواقف يجرّب فيها أشياء ليرى ماذا يحدث نتيجة للتجريب ولتناول الأشياء ومعالجة الرموز وطرح الأسئلة، والسعي للحصول على إجاباته هو، والتوفيق بين ما يتوصّل إليه في وقت وما يعثر عليه في وقت آخر، ويقارن نتائجه بالنتائج التي يتأدّى إليها الأطفال الآخرون.
يُبنى المفهوم عادة من تصورات تحصل من خلال الحواس الخمس، ومن الذكريات والتخيلات، ومن نتاج الفكر الخيالي.
وهذا يعني أن الطفل قبل أن يبدأ في تشكيل المفهوم، لا بدّ وأن يتعامل مع المدركان الحسية الخاصة بذلك المفهوم. فكلمات: حديقة، نَهْر، قطّة، ..الخ، هي مفاهيم تتكون لدى الطفل نتيجة لمدلولات حسية، وتستخدم الدّلائل، أو الكلمات للإشارة إليها.
الدّال، أو الكلمة ليس المفهوم ذاته، ولكن المفهوم هو مضمون هذه الكلمة، ودلالة هذا الرمز في ذهن المتعلم.
مثال: كلمة (قلم) ليست مفهومًا، وإنما هي اسم لهذا المفهوم، وإن الصور الذهنية التي تتكون من خصائص (الأقلام) جميعا هي " المفهوم "، أو مضمون الكلمة.
يعتبر تشكيل المفهوم انطباعًا، أو تصورًا شخصيًّا يختلف باختلاف الأفراد أنفسهم، واختلاف خبراتهم فيه؛ ومع ذلك يمكن أن يتشابه معنى المفهوم الواحد لدى الأفراد المختلفين، عندما تتشابه الخبرات التي يمرون بها.
2. النظريات الجديدة:
هي كثيرة ومعظمها مقاربات تأتي بها بلدان تسعى إلى تجديد نظمها التربويّة وتأطير مناهجها التعليميّة، مثل المقاربة بالكفاءات أو ما تستند إليه، والتعلم المباشر، والتعليم بالأهداف؛ نكتفي في هذا المقام بعرض واحدة منها وهي المدعوة بنظرية التعلّم المباشر ونظريّة التعلّم التعاوني :
1.2 نظريّة التعلّم المباشر:
1.1.2 مفاهيم عامّة:
1 تميِّز نظرياتُ التعلّم عادة بين نوعيْن من المعرفة: المعرفة التقريريّة والمعرفة الإجرائيّة:
• والمعرفة التقريريّة هي معرفة عن شيء، وعن موضوع؛
• والمعرفة الإجرائيّة هي معرفة عن كيف تعمل شيئًا.
2 وهناك أنظمة تصنيف كثيرة تقسِّم المعرفة وتنظِّمها في مستوياتٍ من حيث التفكير من قبيل: في أدنى مستوى توجد الحقائق وهي معرفة تقريريّة بسيطة يكتسبها الفرد وقد لا يستخدمها. وحفظ قواعد كتابة الشعر مثالٌ لمعرفة القواعد، ويقابل هذا مستوياتٌ أعلى للمعرفة تتضمّن وتتطلّب بصفة عامّة استخدام المعرفة بطريقة ما مثل تحليل قصيدة للمتنبّي ونقدها، أو المقارنة بين شعر البحتري وشعر أبي تمام، أو بين شعر أحمد شوقي وشعر حافظ إبراهيم، وكثيرًا ما تتطلّب المعرفة الإجرائيّة اكتسابًا مسبقًا لمعرفة تقريريّة، كالمفاهيم الأساسيّة عن الشعر في هذه الحالة. يريد المعلّمون لتلاميذهم أن يملكوا هذين النوعين من المعرفة، فهم يريدون لهم ويطلبون منهم أن يكتسبوا مقادير كبيرة من المعرفة التقريريّة الأساسيّة، ويريدون منهم أن يكتسبوا معرفة إجرائيّة هامّة بحيث يستطيعون أن يعملوا ويتصرّفوا في المواقف بكفاءة.
3 بنية التعليم المباشر: هو نموذج يتمركز حول المعلِّم ويحمِّله مسؤوليّة الخلل، وله خمس خطوات:
التهيّؤ، عرض البيان، الممارسة الموجّهة، التغذية الراجعة، والممارسة الممتدّة الموسّعة.
وعلى الرغم من أنّ المعلّمين ذوي الخبرة يتعلّمون تعديل تعليمهم المباشر وتطويره ليلائم المواقف المختلفة إلاّ أنّ هناك خمس خطوات أو مراحل في معظم دروس التعليم المباشر: يبدأ المعلِّم بتقديم أساس عقلاني ومبرّرات للدّرس، ويهيّئ التلاميذ له، ويجعلهم مستعدّين للتعلّم، ويتبع مرحلة الإعداد هذه وإثارة الدافعيّة عرض المادّة التعليميّة التي تُدرَس أو عرض بيان بمهارة معيّنة، وينتهي الدّرسُ بإتاحة الفرص للتّلميذ ليمارس وللمعلّم ليقدّم تغذية راجعة تتناغم مع تقدّم التلميذ، وخلال مرحلة الممارسة ـ التغذية الراجعة ـ من هذا النموذج، ينبغي على المعلّمين أن يحاولوا دائمًا توفير الفرص للتلاميذ لنقل معرفتهم أو مهاراتهم التي دُرست لهم إلى مواقف الحياة الحقيقيّة.
2.1.2 الفاعليّة وملامحها:
لقد أبرزت البحوث التي أجريت على شرح المدرّسين عددًا من الملامح التي تزيد من فاعليته، ويتمّ تفسير جميع هذه الملامح تفسيرًا تامًّا فيما يأتي:
1. الوضوح: أهمّ ملمح للشّرح أن يكون واضحًا وعند المستوى المناسب الذي يفهمه التلاميذ.
2. البنية: أن يكون الشرح منظّمًا بعناية بحيث يتمّ تقسيم الأفكار الأساسيّة والمفاهيم إلى أجزاء ذات معنى، ثمّ ترتّب هذه ترتيبًا متتابعًا منطقيًا.
3. الطول: ينبغي أن تكون العروض قصيرة، وألاّ تستغرق عادة أكثر من 10 دقائق في المدارس الابتدائيّة أو عشرين دقيقة في المدارس الثانوية. وسيجد التلاميذ صعوبة في الاستمرار في الانتباه لفترات أطول ما لم يتخلّل العرض أسئلة وأنشطة أخرى.
4. الحفاظ على الانتباه: ينبغي أن يتضمّن الإلقاء والتوصيل تباينًا في التأكيد، ونغمة الصوت وطبقته، وأن يتوافر التقاء عين المدرِّس بعيون التلاميذ، وأن يوزع على الصف كلّه، وأن تنقل لغة الجسم إلى التلاميذ الحماس والاهتمام.
5. اللّغة: أن يتجنّب المدرّس استخدام لغة معقّدة أو مصطلحات غريبة وغير مفهومة، وأن يشرح أيّ مصطلح أو لفظ يحتاج التلاميذ معرفته.
6. استخدام الأمثلة: أن يستخدم المدرّس في شرحه أمثلة، ومماثلات واستعارات يستقيها على وجه الخصوص من الحياة اليوميّة أو تلك التي ترتبط على نحو مباشر بخبرة التلاميذ واهتماماتهم.
7. مراجعة الفهم: إنّ المدرِّس ينظر إلى وجوه التلاميذ باحثًا عن أمارات تدلّ على حيرتهم، ويستخدم أسئلة ليتأكّد من فهم النقطة التي عرضها قبل أن ينتقل إلى ما يليها، ويتيح للتلاميذ الفرصة ليسألوا عمّا غمض عليهم.
2.2 نظريّة التعلّم التعاوني:
1.2.2 ملخّص النظريّة:
تنصّ هذه النظريّة على أن يعمل المعلِّمون أساسًا مع القسم كلّه، أي مع التلاميذ جميعًا كعناصر فعّالة ومتفاعلة وليست دمًى يسلِّط عليها المعلّم خيوطًا يحرِّكها من بعيد (المكتب) ولا نفوسًا منفعِلة فقط يمارس علها المعلِّم جميع قواه الرامية إلى إثارة إعجاب تلك النفوس البريئة وانبهارها. ففي حدود التعلّم التعاوني ينصهر المعلِّم في المجموع من غير أن يضيع منه دوره الفطِن القائم على التوجيه والتنسيق وإعمال الوعي بمشكلات عناصِر قسمه.
وفي هذا النموذج التّعليميّ لا يعمل التلاميذ فرديًّا وبدون أيّ تنسيق من المعلِّم، ولإتقان المحتوى الدراسي، يتّسم نموذج التعلّم التعاوني ببنياتٍ تعاونيّة للمهمّة ولهدف ولمكافأة ويشجع التلاميذ في مواقف التعلّم التعاوني بل ويطلب منهم أن يعملوا معًا في مهمّة مشتركة. وينبغي أن ينسقّوا جهودهم ليتمّوا المهمّة؛ واستخدام التعلّم التعاوني يقتضي أن يعتمد فردان أو أكثر اعتمادًا متبادلاً الواحد على الآخر أو الآخرين للحصول على المكافأة التي سوف يشتركون فيها إذا أرادوا النجاح كمجموعة، ويمكن أن تتّسم معظم دروس التعلّم التعاوني بالملامح الآتية:
1. يعمل التلاميذ متعاونين في فرق لإتقان المواد الدراسيّة.
2. تتكوّن الفرق من متفوّقين في التحصيل ومتوسّطين ومنخفضين.
3. وكلّما كان ذلك ممكنًا تضمّ الفرق خليطًا من التلاميذ من حيث الأصول العرقيّة والثقافيّة والجنسيّة.
4. توجّه أنظمة المكافأة نحو الجماعة أكثر من توجّهها نحو الفرد.
2.2.2 الأهداف التعليميّة:
سُخِّر هذا النموذج التّعليميّ من أجل تحقيق ثلاثة أهداف على الأقل:
1. تحصيل دراسيّ
2. تقبّل التنوّع
3. تنمية المهارة الاجتماعيّة.
1.2.2.2 التّحصيل الدّراسيّ:
على الرغم من أنّ التعلّم التعاوني ـ وكما أشرنا إلى ذلك سابقًا ـ يضمّ في الصميم أهدافًا اجتماعيّة متنوّعة، إلاّ أنّه يستهدف أيضًا تحسين أداء التلميذ في مهام دراسيّة هامّة ويسعى كذلك إلى تطوير مستواه الدّراسيّ. ولقد برهن مطوِّروه على أنّ نموذج بنية المكافأة التعاونيّة يزيد من قيمة التعلّم الدراسيّ عند التلاميذ ويغيِّر المعايير المرتبطة بالتحصيل. وعلى سبيل المثال، لقد تمّ التأكّد عبر ثلاثة عاهلامن أنّ كثيرًا من الشباب يقيّم التحصيل الدراسيّ تقييمًا منخفضًا، ومعايير ثقافة الشباب تعاقب ـ في معظم الحالات بالفعل ـ التلاميذ الذين يريدون أن يتفوّقوا ويمتازوا دراسيًّا، ولقد حاول سلافن (Robert Slavin) وآخرون أن يغيّروا هذه المعايير عن طريق استخدام التعلّم التعاونيّ، يقول سلافن:
« وكثيرًا ما لا يقدّر التلاميذ أترابهم الذين يؤدّون أداءًا متفوّقًا من الناحية الدراسيّة، بينما يقدّرون الذين يتفوّقون في الألعاب الرياضيّة [...] ويرجع هذا إلى أنّ النجاح في الرياضة يحقّق فوائد للجماعات (الفريق، المدرسة، المدينة) بينما النجاح الدراسيّ يفيد الفردَ وحده، وفي الحقّ، أنّ الصفّ الذي يستخدم الدرجات وفقًا للتوزيع الاعتداليّ، أو أيّ نظام تنافسيّ للدرجات أو نظام للحوافز يعني أنّ نجاح لأيّ فردٍ يقلِّل فرص الأفراد الآخرين في النجاح ».
ويعتقد سلافن وآخرون أنّ تركيز الجماعة على التعلّم التعاونيّ يمكن أن يغيّر معايير ثقافة الشباب ويجعلها أكثر تقبّلاً للامتياز في مهام التعلّم الدّراسيّ.
وبالإضافة إلى تغيير المعايير المرتبطة بالتحصيل يمكن أن يفيد التعلّم التعاونيّ التلاميذ ذوي التحصيل المنخفض، وكذلك التلاميذ ذوي التحصيل المرتفع الذين يعملون معًا في المهام الدراسيّة حيث يقوم ذوو التحصيل العالي بتعليم ذوي التحصيل المنخفض، وهكذا تتوافر مساعدة خاصّة من شخص يشاركهم في اهتماماتهم وميولهم ولغتهم الشبابيّة، ويكتسب ذوو التحصيل العالي في هذه العمليّة تقدّمًا دراسيًّا؛ وذلك لأنّ العمل كمدرِّس خصوصيّ أظهر أنّ التحصيل بالتعلّم التعاوني أفيد إذ يدفع التلاميذ إلى التفكير بعمقٍ أكبر لإيجاد العلاقات الكائنة بين الأفكار حول موضوعٍ معيّ.
2.2.2.2 تقبّل التنوّع:
ثمّة تأثيرات ذات أهميّة بالغة لنموذج التعلّم التعاونيّ وهي التقبّل الأوسع والأعرض لأناسٍ هم يختلفون في مستواهم الثقافيّ والطبقة الاجتماعيّة والقدرة أو عدم القدرة والعنصر. وبشكلٍ عامٍّ يفيد التعلّم التعاونيّ في إتاحة الفرص للتلاميذ ذوي الخلفيات المتباينة والظّروف المختلفة أن يعملوا معتمدين بعضهم على البعض الآخر في مهامٍ مشتركة؛ ومن خلال استخدام بنيات المكافأة التعاونية يتعلّمون تقدير الواحد للآخر. لكن يبقى السؤال مطروحًا: هل التفاعل الفيزيائي بين الجماعات الإثنية أو العنصريّة المختلفة وتعليمهم معًا في مسارٍ رئيسيٍّ يكفي لإنقاص التعصّب والتعميمات الجامدة والتحيّز ؟
3.2.2.2 تنميّة المهارة الاجتماعيّة:
وثمّة هدفٌ هامٌّ ثالث للتعلّم التعاوني وهو أن يتعلّم التلاميذ مهارات التعاون والتضافر والتسابق الإيجابيّ، وهذه مهارة هامّة على المرء أن يكتسبها في مجتمع يتمّ فيه القيام بأعمال الكبار أو الراشدين في منظمات ومجتمعات محليّة يعتمد بعضها على بعض وتتفاوت وتتنوّع ثقافتها، ومع ذلك، فإنّ كثيرًا من الشباب والراشدين تنقصهم المهارات الاجتماعيّة الفعالة، والدليل على ذلك أنّه كثيرًا ما تؤدّي الخلافات الصغيرة بين الأفراد إلى أعمال عنف، وإلى التعبير عن سخطهم وعدم رضاهم حين يطلب منهم العمل في مواقف تعاونيّة، ويرجع ذلك إلى قلّة قنوات الحوار وانسداد ما كان يبدو أنّه مفتوح ونقصد به المدرسة التي تشغِّل طرائق تدريس قسريّة.
خاتمة:
وفي الخاتمة ومن باب الاطلاع بما هو موجود وحرصًا على التحسيس، نحيل الطّلبة إلى مراجع أساسيّة (مصادر) في مجال نظريات التعلّم المحوريّة وباللّغات الأجنبيّة أو على الأقل ما رأيناه منبعًا تصدر منه الأبحاثُ اللاّحِقة وهي التي تعتمدها في الغالِب المراجع العربيّة، هذه قائمة مبسِّطة ومقدَّمة بطريقة مختصرة:


المصدر : منتديات المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

محاضرات اللسانيات التعليمية لطلبة السنة الثالثة للاستاذ يوسف مقران

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مـنـتـديـات الـتـعـلـيـم الـشامل ::  ::  ::  ::  :: -